-->

الخميس، 6 يوليو، 2017

المؤاخذة العاشرة على أبي عبد الحق الكردي/ وجوب حمل المجمل على المفصَّل في كلام السلفي

قال أبو عبد الحق الكردي في مقاله ["علماء الجرح والتعديل في المقابر الآن!" كلمة قالها الشيخ العلامة الفوزان!]: ((فإنه يجب أن يُحمل كلام أهل العلم ودعاة أهل السنة السلفيين الذي يحتمل أكثر من معنى على أحسن محْمَلاتِهِ، ولا يجوز حمله على أسوأ حالاته؛ وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه: "لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً")).
المقال الذي كتبه أبو عبد الحق ونشره في وقته - وأظهره في صورة الدفاع عن الشيخ صالح الفوزان حفظه الله وزعم أنه حمل كلامه المحتمل على أحسن المحامل - هو في حقيقته مقالٌ للدفاع عن نفسه!، وإنما قدَّم مقدمة في مقاله كانت تمهيداً أو مدخلاً لحمل كلامه الذي انتقدتُه عليه وهو قول أبي عبد الحق: ((لا نستطيع في مجلس العامة أن نحذِّر العوام من فلان وفلان!، ليس من الحكمة))، وقوله: ((العامة لا نتكلَّم معهم ولا نشغلهم بمسائل الجرح والتعديل))، ومن رجع إلى مقال أبي عبد الحق وقرأه كله عرف حقيقة الأمر.
وأما كلمة الشيخ الفوزان حفظه الله، فهو يفرِّق بين [الكلام في الرواية] وبين [الكلام في البدعة]؛ فيخصُّ علم الجرح والتعديل في الأول، بينما يعدُّ الثاني من باب النصيحة، ومعلوم أنَّ الكلام في أهل البدع يدخل في باب الجرح والتعديل، والجرح والتعديل هو من قبيل النصيحة، فالأمر لا يعدو في حقيقته عن كونه اختلافاً في الاصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح.
وأما كلام أبي عبد الحق فهو باطل وليس مجملاً، ثم أكَّد بطلانه في مقاله نفسه آنف الذكر حيث قال: ((وكذلك الكتب المؤلَّفة في تجريح وتبديع الرموز والشخصيات وبعض الدعاة فالعوام ليسوا أهلاً لفتح هذه المسائل معهم؛ لأنَّ الناس عقولهم لا تدرك بعض الأمور فيقعون في فتنة)).
فلا مجال هنا للمقارنة بين ما قاله الشيخ الفوزان وبين ما قاله أبو عبد الحق، ولكنَّ أبا عبد الحق بدلاً من أن يرجع عن خطئه وينتهي الأمر سلك طريق التلبيس والتمويه كعادته.
وأذكر أننا لما ناصحناه في محافظة صلاح الدين وانتقدتُه على كلمته [لا نشغل العوام بمسائل الجرح والتعديل]، كان من جوابه أنه قال: "أنا أقصد تفاصيل علم الجرح والتعديل المذكورة في علم الحديث!، وأنتم تعرفون أني أُحذِّر من المبتدعة"، ثم استدل بكلام ابن القيم رحمه الله قائلاً: "ينبغي أن يُفسَّر كلام الرجل على ما عُرِفَ به من معتقده ومن سلوكه ومن منهجه؛ هكذا لا بد أن تفسِّروا كلامي"!.
وهذا تطبيق عملي وتأصيل نظري لقاعدة "وجوب حمل المجمل على المفصَّل"، واستدلاله بكلام ابن القيم هو عين استدلال المأربي والحلبي.
وفرقٌ واضح بين كلام العلامة ابن القيم وبين كلام هؤلاء المميعة ومن تبعهم، فالعلامة ابن القيم رحمه الله يقول في خاتمة مدارج السالكين [3/ 520 - 521]: ((والكلمة الواحدة يقولها اثنان، يريد بها أحدهما أعظم الباطل، ويريد بها الآخر محض الحق، والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه وما يدعو إليه ويناظر عليه))، فهو يتكلَّم رحمه الله عن [الكلمة الواحدة] التي قد يقصد بها أحدهم الحق ويقصد بها الآخر الباطل، فلا يؤخذ المحق بقصد المبطل، وإنما ينظر إلى طريقته وسيرته ومذهبه وما يدعو إليه ويناظر عليه، ومدار الكلام حول [أبي إسماعيل الهروي ومسألة الفناء]، وهل يُنسب ببعض كلامه في هذا الموضوع الذي يحتمل كلام الاتحادية والحلولية إليهم أم لا؟!، وهذه مسألة أخرى غير مسألة هل يجوز الإنكار عليه أو انتقاده على هذا الكلام أم لا؟، وغير مسألة وجوب حمل الكلام المجمل الذي يحتمل الحق ويحتمل الباطل على المفصل الذي هو الحق من باب إحسان الظن، ولهذا لم يسكت عنه العلامة ابن القيم بل قال في المدارج [1/148]: ((فرحمة الله على أبي إسماعيل فتح للزنادقة باب الكفر والإلحاد فدخلوا منه، وأقسموا بالله جهد أيمانهم إنه لمنهم وما هو منهم، وغره سراب الفناء فظن أنه لجة بحر المعرفة وغاية العارفين، وبالغ في تحقيقه وإثباته فقاده قسراً إلى ما ترى)).
فكونه لا ينسبه إلى الحلولية والاتحادية لا يعني أنه يصحِّح له كلامه أو يسكت عن نقده وإنكاره بدعوى حسن الظن التي هي طريقة المأربي والحلبي وأبي عبد الحق وأمثالهم، فتنبَّه أيها السلفي لهذا.
وأما تأصيل أبي عبد الحق قاعدة [وجوب حمل المجمل على المفصَّل في كلام أهل السنة من باب حسن الظن] واستدلاله بأثر عمر رضي الله عنه، فكأنَّ الشيخ ربيعاً حفظه الله يردُّ عليه في مقاله [وقفات مع القائلين بأصل حمل المجمل على المفصل] حيث قال: ((قال بعض القائلين بحمل المجمل على المفصل: "وإذا وُجد لأحد من أهل السنة كلام مجمل وكلام مفصَّل: فالذي ينبغي إحسان الظن به وحمل مجمله على مفصله؛ لقول عمر رضي الله عنه: ولا تظننَّ بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيراً وأنت تجد لها في الخير محملاً".
أقول:
أ- قولك: "أهل السنة" ، يشمل العلماء وطلاب العلم وعوام أهل السنة.
وهذا الكلام يفيد أنَّ أهل السنة لا يُعاملون دائماً إلا بحسن الظن المطلق!، فلا تُنتقد أخطاؤهم ومخالفاتهم؛ لأنَّ هذا الأصل يحميهم وينـزلهم منـزلة المعصومين، وواقع الكتاب والسنة وعمل السلف بخلاف ذلك.
هذا وينبغي أن يعرف القارئ الكريم أنَّ مفصل السني عند أبي الحسن ومن يقلِّده هو "الخير والحسن"!، وليس هو الكلام المفصل.
ب- استدللتَ على هذا القول بكلام منسوب لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، لا يثبت عنه.
1- لأنه ليس له إسناد إلى عمر رضي الله عنه.
2- يكفي القارئ أنَّ ابن كثير رحمه الله لم يسق إسناده.
3- وأنه أشار إلى ضعفه بصيغة التمريض "روينا"، فبطل الاحتجاج به.
والذي يثبت عن عمر رضي الله عنه إنما هو كلامه الموافق للشريعة الإسلامية، ألا وهو قوله: "إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ في عَهْدِ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَإِنَّ الْوَحْيَ قد انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمْ الْآنَ بِمَا ظَهَرَ لنا من أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لنا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ وَلَيْسَ إِلَيْنَا من سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ الله يُحَاسِبُهُ في سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لنا سُوءًا لم نَأْمَنْهُ ولم نُصَدِّقْهُ وَإِنْ قال: إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ"، أخرجه البخاري في "الشهادات" حديث (2641).
فهذا القول يتفق مع الأصل الإسلامي، وهو الأخذ بالظاهر من كلام الله وكلام رسوله وكلام الناس، فمن أظهر من الناس سوءاً أُخذ بظاهر حاله ومقاله؛ سواء كان كلامه مجملاً أو مفصلاً.
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلي وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ من بَعْضٍ فَأَقْضِيَ له على نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ منه فَمَنْ قَطَعْتُ له من حَقِّ أَخِيهِ شيئا فلا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ له بِهِ قِطْعَةً من النَّارِ". أخرجه البخاري في كتاب "المظالم" حديث (2458)، ومسلم في كتاب "الأقضية" حديث (1713).
فهذا الحديث من أقوى الأدلة على الأخذ بالظاهر.
والعلماء من كل المذاهب إذا كان للعالم في مسألة ما قولان أو أكثر لا يحملون مجملاته على مفصلاته، بل يرجحون أقوى القولين أو الأقوال والذي يدل عليه الدليل، فعملهم هذا يدل على أنهم يرون أنَّ القول المرجوح خطأ، وأنهم لا يرون حمل المجمل على المفصل.
وهذه كتب الفقه بين أيدينا، فمثلاً كثير من المسائل للإمام أحمد فيها قولان، فيأتي العلماء مثل أبي يعلى وابن قدامة وشيخ الإسلام نفسه وغيرهم، فيقدِّمون ما ترجحه الأدلة من الأقوال على ما يقابلها، ولا يقولون: نحمل المجمل على المفصل، فيصير القولان كلاهما حقاً، كما هو مؤدَّى كلام من يقول بحمل المجمل على المفصل.
لقد تعلمنا من شيخ الإسلام ومَن قبله من الأئمة ومن بعده قولهم: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنَّ العلماء بما فيهم الصحابة ليسوا بمعصومين من الخطأ، ومن كلام شيخ الإسلام رحمه الله: إنَّ الرجال يحتج لهم ولا يحتج بهم...)).
ثم ساق الشيخ ربيع حفظه الله تسعة أدلة من الكتاب والسنة على بطلان حمل المجمل على المفصل في كلام البشر غير الأنبياء ثم قال: ((وهذا منهج أهل العلم من السابقين واللاحقين، وهو عكس قول من يقول بحمل المجمل على المفصل، حتى ينتفي الخطأ عن أهل الخطأ، والباطل عن أهل الباطل، ويصير مجمله ومفصله شيئاً واحداً يسمى حقاً.
فهذه تسعة أدلة صحيحة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبطل دعوى حمل المجمل على المفصل، وتدين دعاته بأنهم دعاة إلى الباطل، وأنهم مضادون لمنهج الإسلام)).
وساق الشيخ ربيع حفظه الله عدة أقوال عن الأئمة والعلماء السابقين واللاحقين، ومما ذكره إنكار الإمام أحمد وتبديعه من قال "لفظي بالقرآن مخلوق" مع كونها كلمة مجملة، وكذلك على من قال "القرآن كلام الله" وسكت، ومن هؤلاء علماء كبار، ومع هذا لم يُصحِّح كلامهم ولم يحمله على الحق لزوماً بدعوى حسن الظن!، قال الشيخ ربيع حفظه الله: ((ومعلوم لدى طلبة العلم تبديع من يقول "لفظي بالقرآن مخلوق"، وممن بدَّعهم الإمام أحمد بهذا القول: الحارث المحاسبي، وحسين بن علي الكرابيسي، وهما من كبار العلماء بالحديث والفقه، وأيَّد الإمامَ أحمدَ أهلُ السنة في ذلك، ولم يحملوا مجملهما على مفصلهما.
وعلى مذهب دعاة حمل المجمل على المفصل يكون الإمام أحمد ومن معه ممن بدَّع هؤلاء يكونون ظالمين للمحاسبي والكرابيسي؛ لأنهما من أهل السنة والحديث، وكذلك الإمام أحمد ومن معه يكونون ظالمين لكل من حكموا عليه بالبدعة ممن يقول: بأنَّ القرآن كلام الله حقيقة لكن لفظي بالقرآن مخلوق، وأنَّ كلامهم هذا مجمل؛ ألا قاتل الله الأهواء وأهلها.
وكذلك بدَّع الإمام أحمد من يقول: "القرآن كلام الله" ثم يقف فلا يقول مخلوق ولا غير مخلوق، ومن هؤلاء يعقوب بن شيبة، وهو من كبار المحدثين، وأيدَّ علماء الحديث الإمام أحمد في ذلك)).
وذكر الشيخ ربيع حفظه الله في خاتمة مقاله الماتع ما حصل من انتقاد الشيخ حمود التويجري - مع تأييد الشيخ ابن باز له - على كلام الشيخ ابن عثيمين رحمهم الله جميعاً في مسألة "إنَّ الله معنا بذاته"، وقال: ((لقد انتقد الشيخ حمود التويجري الشيخ ابن عثيمين في عبارة مجملة تحتمل حقاً وباطلاً صدرت من ابن عثيمين ألا وهي قوله :"إنَّ الله معنا بذاته"، ثم بيّن ابن عثيمين ما قصده ونفى الاحتمال الباطل، ومع ذلك انتقده التويجري وأيده الشيخ ابن باز وأثنى عليه خيراً، فما كان من ابن عثيمين إلا أن ينصر التويجري وابن باز على نفسه بسماحة نفس وصدق وجد، ولم يقل أحد منهم "يحمل مجمل ابن عثيمين على مفصله"!، ولا فكَّر هو في هذا، ولم يقل أحدٌ منهم ذلك مع إمامة ابن عثيمين وجلالة قدره ورسوخ قدمه في العلم وإمامته في السلفية)). 
وهناك دليل آخر من القرآن لم يذكره شيخنا الشيخ ربيع حفظه الله في مقاله السابق يدل على أنَّ الاعتذار لمن تكلَّم بالكلام المحتمل - للمعنى الحسن والمعنى السيء - من باب حسن الظن به ليس هو المنهج القرآني، وإنما الإنكار على مَنْ  تكلَّم بالكلام المحتمل هو المنهج القرآني، وأنَّ الواجب الابتعاد عن استعمال الألفاظ المحتملة.
والدليل هو قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ)).
قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره: ((فَكَذَلِكَ نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا رَاعِنَا لَمَّا كَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ "رَاعِنَا":
- مُحْتَمِلاً أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى احْفَظْنَا وَنَحْفَظُكَ وَارْقُبْنَا وَنَرْقُبُكَ؛ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: "رَعَاكَ اللَّهُ بِمَعْنَى حَفِظَكَ اللَّهُ وَكَلأَكَ".
- وَمُحْتَمِلاً أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى أَرْعِنَا سَمْعَكَ، مِنْ قَوْلِهِمْ: "أَرْعَيْتُ به سَمْعِي إِرْعَاءً" أَوْ "رَاعَيْتُهُ سَمْعِي رِعَاءً أَوْ مُرَاعَاةً"، بِمَعْنَى: فَرَّغْتُهُ لِسَمَاعِ كَلاَمِهِ، كَمَا قَالَ الأَعْشَى مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ:
يَرْعَى إِلَى قَوْلِ سَادَاتِ الرِّجَالِ إِذَا ... أَبَدَوْا لَهُ الْحَزْمَ أَوْ مَا شَاءَهُ ابْتَدَعَا
يَعْنِي بِقَوْلِهِ يَرْعَى: يُصْغِي بِسَمْعِهِ إِلَيْهِ مُفَرِّغُهُ لِذَلِكَ.
وَكَأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِتَوْقِيرِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعْظِيمِهِ؛ حَتَّى نَهَاهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ فِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ عَنْ رَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ فَوْقَ صَوْتِهِ وَأَنْ يَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَخَوْفِهِمْ عَلَى ذَلِكَ حُبُوطَ أَعْمَالِهِمْ، تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالزَّجْرِ لَهُمْ عَنْ أَنْ يَقُولُوا لَهُ مِنَ الْقَوْلِ مَا فِيهِ جَفَاءٌ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَخَيَّرُوا لِخِطَابِهِ مِنَ الأَلْفَاظِ أَحْسَنَهَا وَمِنَ الْمَعَانِي أَرَقَّهَا، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ "رَاعِنَا"، لِمَا فِيهِ احْتِمَالِ مَعْنَى ارْعَنَا نَرْعَاكَ، إِذْ كَانَتِ الْمُفَاعَلَةُ لاَ تَكُونُ إِلاَّ مِنِ اثْنَيْنِ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: عَاطِنَا وَحَادِثْنَا وَجَالِسْنَا، بِمَعْنَى افْعَلْ بِنَا وَنَفْعَلُ بِكَ، وَمَعْنَى أَرْعِنَا سَمْعَكَ حَتَّى نَفْهَمَكَ وَتَفْهَمَ عَنَّا.
فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَأمرهم أَنْ يُفْرِدُوا مَسْأَلَتَهُ بِانْتِظَارِهِمْ وَإِمْهَالِهِمْ لِيَعْقِلُوا عَنْهُ بِتَبْجِيلٍ مِنْهُمْ لَهُ وَتَعْظِيمٍ، وَأَنْ لاَ يَسْأَلُوهُ مَا سَأَلُوهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْجَفَاءِ وَالتَّجَهُّمِ مِنْهُمْ لَهُ، وَلاَ بِالْفَظَاظَةِ وَالْغِلْظَةِ؛ تَشَبُّهًا مِنْهُمْ بِالْيَهُودِ فِي خِطَابِهِمْ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِمْ لَهُ: "اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا"، يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ : "مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ"، فَدَلَّ بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِيَ عَاتَبَهُمْ عَلَيْهِ مِمَّا يَسُرُّ الْيَهُودَ وَالْمُشْرِكِينَ)).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في [اقتضاء الصراط المستقيم 1/175]: ((فهذا كله يبين: أنَّ هذه الكلمة نُهي المسلمون عن قولها؛ لأنَّ اليهود كانوا يقولونها؛ وإن كانت من اليهود قبيحة ومن المسلمين لم تكن قبيحة، لما كان في مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار، وتطريقهم إلى بلوغ غرضهم)).
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في [إعلام الموقعين 3/137]: ((قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لاتقولوا راعنا وقولوا انظرنا"؛ نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة مع قصدهم بها الخير؛ لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود في أقوالهم وخطابهم، فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي صلى الله عليه وسلم ويقصدون بها السب؛ يقصدون فاعلاً من الرعونة، فنُهيَ المسلمون عن قولها سداً لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم تشبهاً بالمسلمين؛ يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون)).
وقال العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي في تفسيره لهذه الآية: ((كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول عند تعلمهم أمر الدين: "رَاعِنَا" أي: راع أحوالنا، فيقصدون بها معنى صحيحاً، وكان اليهود يريدون بها معنى فاسداً، فانتهزوا الفرصة، فصاروا يخاطبون الرسول بذلك، ويقصدون المعنى الفاسد، فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة سداً لهذا الباب.
ففيه: النهي عن الجائز إذا كان وسيلة إلى محرم، وفيه الأدب، واستعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحسن، وعدم الفحش، وترك الألفاظ القبيحة أو التي فيها نوع تشويش أو احتمال لأمر غير لائق، فأمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسن فقال: "وَقُولُوا انْظُرْنَا"، فإنها كافية، يحصل بها المقصود من غير محذور.
"وَاسْمَعُوا"؛ لم يذكر المسموع ليعم ما أمر باستماعه، فيدخل فيه سماع القرآن، وسماع السنة التي هي الحكمة لفظاً ومعنى واستجابة، ففيه الأدب والطاعة، ثم توعد الكافرين بالعذاب المؤلم الموجع)).
وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: ((وهذه الآية من النهي: "لا تقولوا راعنا" يعني: لا تقولوا عند مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم راعنا، و "راعنا" من المراعاة؛ وهي العناية بالشيء والمحافظة عليه، وكان الصحابة إذا أرادوا أن يتكلَّموا مع الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا: "يا رسول الله راعنا"، وكان اليهود يقولون: "يا محمد راعنا"؛ لكن اليهود يريدون بها معنى سيئاً؛ يريدون "راعنا" اسم فاعل من الرعونة؛ يعني أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم راعن، ومعنى "الرعونة" الحمق والهوج.
لكن لما كان اللفظ واحداً وهو محتمل للمعنيين؛ نهى الله عز وجل المؤمنين أن يقولوه تأدباً وابتعاداً عن سوء الظن، ولأنَّ من الناس من يتظاهر بالإيمان؛ مثل المنافقين، فربما يقول: "راعنا" وهو يريد ما أرادت اليهود؛ فلهذا نُهي المسلمون عن ذلك)).
وقال الشيخ عبدالمحسن العباد حفظه الله في [شرح سنن أبي داود]: ((وفيما يتعلق بالألفاظ المحتمِلة جاء في القرآن النهي عن ذلك كقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا"؛ لأنَّ لفظ (راعنا) فيه إشكال، وفيه احتمال أمر آخر ليس طيباً، فالأولى أن يُترك، ويُعدل إلى لفظ لا يحتمِل)).
وقال أيضاً في المصدر نفسه: ((قال الله عز وجل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا" فأرشدهم إلى أن يقولوا: "انظرنا"، ولم يأمرهم أن يقولوا: "راعنا"؛ لأنَّ (راعنا) تحتمل معنى حسناً ومعنى سيئاً)).
فإذا كان خير الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم قد نهوا عن استعمال الألفاظ المحتملة للمعنى الحسن والمعنى السيء؛ مع كونهم لم يقصدوا إلا الخير بلا أدنى ريب، ومع كون أصولهم إيمانية سنية بلا أدنى شك، إلا أنَّ القرآن أنكر عليهم ذلك، ولم يتطرق إلى حسن الظن ولا إلى إلتماس المعاذير ولا إلى حمل كلامهم على التوقير والتعظيم والمعنى الحسن الحق، ولا إلى طريقتهم وسيرتهم المعروفة عنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كانوا هم أهلاً لذلك حتماً، لكنَّ الله عزَّ وجلَّ يريد أن يبين لأهل الإيمان المنهج الصحيح في التعامل مع مَنْ يستعمل الألفاظ المحتملة.
فأيُّ دليل أصرح من هذه الآية على بطلان منهج حمل المجمل على المفصَّل في كلام البشر غير الأنبياء؟!
فأين دعاة حمل المجمل على المفصل من هذه الأدلة الشرعية والآثار السلفية والنقول العلمية؟!
وهل قَبِلَ أبو عبد الحق هذه الحجج والبراهين أم عاند وأصر واستكبر وجادل بالباطل؟!
لم يتراجع أبو عبد الحق عن خطئه هذا، بل سلك طريق اللف والدوران وأنَّ له جهوداً معروفة وسيرة مشهورة فيجب أن يُحمل كلامه المحتمل للحق والباطل - بله كلامه الباطل - في بعض المجالس والمناسبات والحوادث على ما عُرِفَ به واشتُهِرَ عنه!، وكلامه هذا هو عين حمل المجمل على المفصل.
قال أبو عبد الحق في مقدمة كتابه "القذائف": ((فما كان من كلامي مما نقله الناقد وتمسَّك به مما وقع مخالفاً لمنهجي العام الذي أعتقده وأسير عليه: فهذا له حكمه، بمعنى أنَّ ما كان منهجاً مقرراً عاماً لي أسير عليه وأدعو إليه ليس كما هو الشأن فيما كان خاصاً بواقعة خاصة أو علاجاً لظاهرة معينة، فثمَّ كلام أو توجيه خاص حصل فيه كلام قد يخالف الأصول العامة؛ حينئذ هذا ما يسميه الفقهاء "حادثة عين" أو "واقعة عين"، بمعنى أنَّه لا يقاس عليها، بل هي خاصة بهذه الحالة المعينة، فلا يؤخذ منها مذهب الرجل ومعتقده، ولا يُعمم عليه، فجاء هذا الناقد فجعل ما قلتُه في ظرف خاص منهجاً عاماً لي؛ وهذا من الظلم والجور)).
وحاول أبو عبد الحق أن يصوِّر نفسه ومذهبه في هذه المسألة على خلاف الواقع، فزعم أنه يقصد بـ "المجمل" الذي يُحمل على المفصل: هو الكلام المحتمل الذي ظاهر سياقه أقرب إلى الحق ويرافقه البيان وتقييد المطلق، وليس كذلك، فهذا المجمل يكون مفصلاً بهذا السياق والبيان، فلا يُعاب على صاحبه ولا يُنكر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رده على البكري [2/705]: ((فغير الرسول صلى الله وعليه وسلم إذا عبر بعبارة موهمة مقرونة بما يزيل الإيهام: كان هذا سائغاً باتفاق أهل الإسلام))، وعلَّق عليه الشيخ ربيع حفظه الله بقوله كما في [إبطال مزاعم أبي الحسن حول المجمل والمفصل ص48]: ((فانظر كيف علق الجواز على كون اللفظ الموهِم مقروناً بما يزيل الإيهام ومضمونه؟ أنه إذا لم يقرن بما يزيل الإيهام: فإنه غير جائز لما فيه من التلبيس))، وهذا الأخير هو موضع النقد، وهو المجمل الذي يحتمل الحق والباطل ولا يقترن في سياقه ما يدل على أحدهما.
قال أبو عبد الحق في "القذائف" ص28: ((أنا لا أقول: بحمل الكلام الخطأ من البشر على ما يوافق الحق والصواب من كلامهم، وإنما أقول: ينبغي حمل كلام السلفي المجمل - الذي يحتمل وجهين ولكن ظاهره بسياقه أقرب إلى الصواب، أي المجمل الذي يرافقه البيان في السياق نفسه وتقييد المطلق في السياق نفسه - على أحسن المحامل، ومع ذلك: فأنا لا أريد بذلك وضع قاعدة مطردة في كلِّ من هبَّ ودبَّ من المنتسبين إلى السنة، وإنما أُريد حسن الظن بكلام مجمل صدر ممن اشتُهروا بالسير على منهج السلف ودعوا إلى ذلك وناظروا عليه وردوا على المبتدعة)).
أولاً: لم يقل دعاة حمل المجمل على المفصل أنهم أرادوا حمل الكلام الخطأ على الصواب، فلم يأتِ أبو عبد الحق هنا بجديد، لكن واقع هؤلاء العملي جميعاً هو حمل الكلام الخطأ على الصواب، أي تصحيح الأخطاء وليس حمل المجمل على المفصل، ومن تتبع كلامهم عرف واقعهم جيداً.
قال الشيخ ربيع في [إبطال مزاعم أبي الحسن حول المجمل والمفصل ص49]: ((والأدهى من هذا: أنَّ كلام بعض أهل الباطل واضح صريح في الباطل، ثم تجد من يدخله في باب الإجمال!، ويتعلَّق في نصرة رأيه بأوهى الخيوط والحبال، فعلى هؤلاء أن يتوبوا إلى الله، ويرجعوا إلى الحق، وينصروا الحق ويقولوا به، ويشهدوا به لأهله، ويردوا الباطل، ويشهدوا به على أهله)).
ثانياً: فسَّر أبو عبد الحق "المجمل" باللفظ الذي يرافقه البيان في سياق الكلام، وهذا المجمل يكون مفصلاً بهذا البيان كما تقدَّم، وهو لم يفهم كلمة قالها الشيخ ربيع حفظه الله في رده على أبي الحسن المأربي [إبطال مزاعم أبي الحسن حول المجمل والمفصل] حيث قال: ((ونحن نقول: لو علم شيخ الإسلام ما يفضي إليه كلامه هذا لم يقله، ولو فرضنا أنه يراه قاعدة، فإنما مراده: المجمل الذي يرافقه البيان في نفس السياق وتقييد المطلق في نفس السياق))، فهذا البيان والسياق يرفع الاحتمال في ذلك المجمل، وقد قال الشيخ ربيع قبل ذلك: ((بيان دلالات سياقات الكلام وأنها تُعيِّن المجمل؛ وبيان عدم التفات أبي الحسن لهذا الأصل العظيم)).
فأبو الحسن المأربي تعلَّق بكلام شيخ الإسلام الذي أراد به المجمل الذي تعيَّن المراد منه بالبيان في السياق نفسه، ثم تبعه أبو عبد الحق على هذا وأراد أن يخرج نفسه بعد أن كثرت إجمالاته بدعوى أنه أراد الإجمال الذي يرافقه البيان!، وليس كذلك، فهو يُجمل بعبارات موهمة لا يرافقها البيان ولا يمكن تعيينها من السياق، بل سياقه يدل على أنه أراد المعنى الباطل، وأحياناً يتكلَّم بألفاظ باطلة صريحة، ثم يزعم وجوب حمل مجمله على مفصله.
ثالثاً: هل المشتهرون بالسلفية والداعون إلى منهج السلف والمناظرون عليه والرادون عنه معصومون من الوقوع في الخطأ أو التناقض أو الانحراف؟
فلماذا توجب حمل كلامهم المجمل المحتمل على المفصَّل الذي لا يكون إلا حقاً؟!
ولا بدَّ أن يعلم القارئ أنَّ القول بوجوب حمل المجمل على المفصَّل في كلام أهل السنة أوَّل من ذكره عبد الله عزام القطبي المحترق، ثم تبعه أبو الحسن المأربي ونافح عنه في عدة رسائل، وردَّ عليه الشيخ ربيع حفظه الله في عدة ردود مفصلة، ومع هذا يأتي أبو عبد الحق الكردي فيحيي هذا الأصل من جديد بدعوى أنه يدافع به عن أهل السنة لا عن أهل البدع، ولا يدري المسكين أنَّ هذه دعوى أبي الحسن المأربي نفسها.
قال أبو الحسن المأربي في [شريط رقم (1) من أشرطته المسماة بالقول الأمين]: ((يقول هنا الإمام ابن القيم: "والكلمة الواحدة يقولها اثنان - أي: يقولها شخصان أو رجلان - يريد أحدهما بها - أو يريد بها أحدهما - أعظم الباطل ويريد بها الآخر محض الحق - يعني كلمة واحدة تخرج من شخصين أحدهما مبطل بها والثاني محق بها - يقول الإمام ابن القيم: والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه وما يدعو إليه ويناظر عليه". يعني كيف نحملها؟ على المعنى الحق؟ أو نحملها على المعنى الباطل؟
نرجع إلى سيرة هذا القائل وإلى طريقته ومنهجه الذي عرف به؛ فنحمله على الحق إنْ كان سنياً، ونحمله على الباطل إنْ كان مبتدعاً)) انتهى كلامه.
وأبو عبد الحق الكردي يقول في جوابه الجديد المنشور في الفيس بوك:
((إنَّ كلامي المنتقَد كان مقيداً بحمل كلام أهل العلم ودعاة أهل السنة السلفيين الذي يحتمل أكثر من معنى على أحسن محملاته، ولا يجوز حمله على أسوأ حالاته، واستأنستُ بكلام الفاروق رضي الله عنه، وهذا القيد من كلامي يُبيِّن أنني لا أرى حمل مجمل كلام المبتدعة)).
وقال فيه أيضاً حول [الكلمة المجملة]: ((فإنها تُحمل من السني على الحق ومن المبتدع على الباطل)).
 فلينظر القارئ إلى مدى التوافق التام بين أبي الحسن وأبي عبد الحق في التأصيل والاستدلال.
وهذا التأصيل مفاده أنَّ السني لا تصدر على لسانه كلمة الباطل وأنَّ البدعي لا تصدر على لسانه كلمة الحق، وكلا الأمرين خطأ، فقد يقول السني كلمة باطلة، وقد يقول المبتدع كلمة الحق، قال معاذ رضي الله عنه لأحد أصحابه: ((وأُحذِّركم زيغةَ الحكيم، فإنَّ الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق))، فقال له أحد أصحابه: ما يدريني رحمك الله أنَّ الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأنَّ المنافق قد يقول كلمة الحق؟ فقال معاذ: ((بلى، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها ما هذه؟! ولا يثنينك ذلك عنه فإنه لعله أن يُراجِع، وتلقَّ الحقَّ إذا سمعته فإنَّ على الحق نوراً))، وفي رواية: "في هذا المشبهات" مكان المشتهرات، وفي رواية: ((بلى ما تشابه عليك من قول الحكيم حتى تقول ما أراد بهذه الكلمة؟!)) رواه أبو داود وصححه الألباني.
ولا بدَّ أن نعلم أنَّ قاعدة [حمل المجمل على المفصل] إنما قال بها العلماء في كلام الله تعالى وفي كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، ذلك لأنَّ التعارض في كلام الوحي ممتنع، وكلام الوحيين لا يكون إلا حقاً، فكان لزاماً أن يُحمل المجمل - الذي يحتمل في ظاهره أكثر من معنى (وقد يكون أحد هذه المعاني باطلاً) - على المفصَّل - الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً (وهو الحق) -، فنشأت هذه القاعدة من أجل دفع هذا التعارض من حيث الظاهر.
أما كلام البشر دون الأنبياء فلا يُستبعد فيه التعارض، بل قد يقع في التعارض علماء أجلاء وأئمة كبار، وهذا من مقتضى النسيان والخطأ والغفلة التي لا تنفك عن الإنسان، فلا يوجد دافع للقول بهذه القاعدة في كلامهم.
والسلف الصالح كانوا يُنكرون القول المجمل أو الكلام المشتبه الذي يحتمل الحق والباطل، دون تفريق بين قائله سنياً كان أو بدعياً؛ وهذا أصل مهم.
بل يعلمون أنَّ من عادة أهل البدع الإجمال في الأجوبة والاشتباه في الكلام ليلبسوا على الناس دينهم، ولئلا يؤاخذوا على أقوالهم، فيكون لهم من ألفاظهم مقصدان، مقصد يذكرونه أمام أهل الحق ممن يخالفهم!، ومقصد يذكرونه أمام أهل الباطل ممن يوافقهم!. فالقول بهذه القاعدة تسويغ لهؤلاء المبطلين وإعانة لهم على إنفاق أباطيلهم وتغرير الناس الجهال بهم.
بل إنَّ من نتائج العمل بقاعدة حمل المجمل على المفصَّل في كلام البشر التهوين من الباطل والمخالفات!؛ وليس فقط الاعتذار لصاحب القول المجمل وإنكار جرحه.
فتجد كثيراً ممَنْ يقول بهذه القاعدة أصبح كلما أطلعناه على انحراف لأحد مشايخه قال: "هذا كلام مجمل يحتاج إلى تفصيل، وينبغي لنا أن نحمله على أحسن المحامل" سواء عرف أنَّ لشيخه كلاماً مفصلاً أو لم يعرف!!، بل هو في ظنه ونفسه لا يحتاج إلى البحث عن ذلك من باب إحسان الظن بشيخه!، وكم رُدَّ الناقد ولم يقبل نقده بمثل هذه المعاذيير الواهية؟!، وكثيرٌ من هؤلاء أصبحوا لا ينكرون القول المجمل الذي يحتمل الباطل فضلاً عن الإنكار على قائله!.
ولا بدَّ أن نعلم أيضاً - من باب رفع الإيهام ودفع اللبس - أنَّ ردَّ ما أُشكل أو أُجمل من كلام الناس إلى مفسِّره؛ ليس هو من باب حمل المجمل على المفصل، بل هو من باب معرفة مذهب هذا القائل، ثم يُنظر بعده: إنْ كان مفسر كلامه حقاً قُبِل، وإن كان مفسر كلامه باطلاً ردَّ.
بينما حمل المجمل على المفصَّل مقتضاه أنَّ هذا القائل لا يقول إلا حقاً، فإذا وجد كلاماً له يحتمل حقاً وباطلاً، وكلاماً أخر لا يحتمل إلا الحق، حُمِل الأول على الثاني؛ ومثل هذا لا يكون إلا في كلام من لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فلا بد من التفريق بين حمل كلام البشر المجمل على المفسَّر لمعرفة مذاهبهم، ثم بعدها يُحكم عليه بالقبول والرد، وبين حمل المجمل على المفصَّل في كلامهم؛ والذي يلزم منه أنَّ البشر لا يتناقضون ولا يصدر الباطل منهم ولا يكون كلامهم إلا حقاً.
قال العلامة الشيخ أحمد النجمي رحمه الله كما في [تحذير الغبي في الردِّ على مخالفات أبي الحسن المأربي]: ((إنَّ هناك اختلافاً بين المسألتين:
"حمل المجمل على المفصل" لا يجوز إلاَّ في كلام المعصوم صلى الله عليه وسلم.
أمَّا إذا أُشكِل كلام بعض أهل العلم، وكان له كلامٌ في موضعين أو أكثر، فإنَّه يجب أن يجمع بعضه إلى بعض، فإن تبين الإشكال: أُخِذ به سواءً كان للقائل أو عليه وسواء صدَّق بعضه بعضاً أو تناقض، فإنْ صدَّق بعضه بعضاً: دفعت الشبهة عن القائل، وإن تناقض: حكمنا عليه بالتناقض، فهذه مسألةٌ وتلك مسألة.
وغالباً يحصل في الكلام الذي يكون فيه احتمال؛ فقد يجذبه الخصم المبتدع إليه، ويزعم أنَّ هذا القائل يوافق المبتدع في بدعته؛ كما فعلت الصوفية أصحاب وحدة الوجود في حق أبي إسماعيل الهروي)).
وقال فيه أيضاً: ((وأنا لا أمنع جمع كلام العالم الذي فيه احتمال إلى كلامه الآخر ليتبين بالكلام الآخر؛ هل القائل يسير فيهما على وتيرة واحدة أم أنَّ كلامه الآخر مناقضٌ للأول؟
بل إنَّ هذا الجمع المقصود منه أن يتبين هل هو مشى مع الحق والأدلة في الموضعين، فتعرف نزاهته، أو يتبين ميله في أحدهما، فيدان بذلك الميل.
أمَّا حمل المطلق على المقيد، والمجمل على المبين، والعام على الخاص، فهذا لا يكون إلاَّ في كلام المعصوم صلى الله عليه وسلم الذي لا يكون إلا حقاً)).
وأما ما قد يقع من بعض الأئمة والعلماء المعروفين بسلامة العقيدة وسداد المنهج والراسخين في العلم من كلام مجمل أو مشتبه إنما هو كالزلة أو الفلتة، وهي من قبيل الخطأ غير المقصود أو الغفلة، فالاعتذار لهم وحفظ مكانتهم مع بيان الحق ورد الباطل والتحذير منه لا يسوِّغ لأحد أن يقيس عليه مَنْ يتقصَّد الأجوبة المجملة أو يُكثر من الكلام المشتبه!، وكذلك لا يُقاس عليهم مَنْ لم ترسخ قدمه في العلم!.
ومثل هذا كمثل الاعتذار للأئمة المشهورين في مخالفة الدليل، وفي ذلك ألَّف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رسالته الماتعة [رفع الملام عن الأئمة الأعلام]، فخصَّ رحمه الله الأئمة الأعلام دون غيرهم، فلا يُمكن أن نتوسَّع فيه أو نقيس عليه  من هم دونهم ممَنْ لم ترسخ أقدامهم في العلم فضلاً عمَّن عُرِف منهم بالبدعة والهوى.
فالأصل في الأئمة المشهورين أنهم كانوا أهل اجتهاد وتقوى وكانوا يحرصون على تحري الحق ويسلكون طريق النبي صلى الله عليه وسلم في تحصيله، فلا يُنسب إليهم القول بتعمد مخالفة الدليل أو إرادة الباطل.
وأما من هم دونهم فلا يُمكن أن نعتبر فيهم هذا الأصل، وإلا لكان كل مَنْ ينتسب إلى السنة معذوراً في مخالفة الدليل!، ولا يقع منه التقصير والتفريط في تحصيل الحق!، وهذا باطل، فكيف بمَنْ عُرِف عنه الهوى وظهر عليه الانحراف الجلي والإصرار على الباطل؟! مثل هذا لا يُمكن أن يقاس حاله على الأئمة الأعلام، ولا يُعتذر له بما يُعتذر للأئمة ألبتة.
ثم لا بدَّ من التفريق بين كلام العالم الذي مات وصدرت منه بعض الكلمات المجملة أو المشتبهة ولم نعلم أنَّ أحداً أنكر عليه وأقام عليه الحجة فأصر وعاند، وبين الحي الذي يمكن له أن يتدارك غلطه ويتراجع عن تلك الألفاظ ولكنه أصر وجادل بالباطل؛ وهذا ما لا يتنبَّه له مَنْ يطلق القول بحمل المجمل على المفصَّل في كلام أهل السنة.
وقد يقول قائل: إذا كان كلام الله عزَّ وجلَّ وكلام النبي صلى الله عليه وسلم قد يقع فيه الإجمال ويجب أن يحمل على التفصيل والبيان، فكيف بكلام البشر؟! هذا من باب أولى.
وهذا سؤال فاسد مبناه على أنَّ سبب الإجمال في القرآن والسنة كسبب الإجمال في كلام البشر!، وهذا باطل لا يجوز تصوره فضلاً عن اعتقاده، فالإجمال في كلام البشر قد يكون سببه التناقض أو الخطأ أو الغفلة أو النسيان أو السهو، وقد يكون سببه الزيغ والانحراف والمداهنة والتلاعب والتلبيس، وقد يكون سببه البعد عن الألفاظ الشرعية واستعمال الألفاظ المجملة والمشتبهة، وقد يكون سببه القصور البشري في ضبط الألفاظ ومراعاة المعاني، وغير ذلك من الأسباب، وهذا ما لا يُمكن لمسلم أن يتصور وجوده في القرآن والسنة.
وأما أسباب وجود الإجمال في القرآن والسنة فيعود إلى عدة أمور، منها: أنَّ الإجمال قد يكون في لفظ يحتمل أكثر من معنى ليس في أحدها معنى باطل مثل لفظ "ثلاثة قروء" هل يُراد بها مدة الطهر أم مدة الحيض؟، وهذا خارج محل الخلاف، وقد يكون في لفظ يحتمل معناه حقاً وباطلاً، وهذا له صورتان: إما أن يكون الإجمال من خارج الصيغة والسياق كمن يفهم كلمة في القرآن هي واضحة وظاهرة في المعنى الحق لكنها تُفسَّر في كلام هذا الناظر أو في لغته أو في فهمه على غير المعنى الحق، فهذا خارج محل الخلاف أيضاً، وإما أن يكون الإجمال في ذات الصيغة والسياق الوارد في القرآن والسنة، وهذا له صورتان أيضاً: إما أن يكون المقصود من الإجمال التدرج والحكمة في البلاغ والتفصيل في البيان عند الحاجة والعمل، ومعلوم أنه لا يجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة لكن يجوز تأخيره عن وقت الخطاب، وإما أن يكون المقصود منه الابتلاء ومعرفة المبطلين الذين يتبعون المجمل ويعرضون عن المفصل كحال الزائغين الذين يتبعون المتشابه ويعرضون عن المحكم، فكما أنَّ من علامة الزائغين اتباع المتشابه من النصوص فكذلك من علامة المبطلين اتباع المجمل من النصوص، وهذا من رحمة الله عزَّ وجلَّ لعباده المؤمنين أن يكشف أمثال هؤلاء المنحرفين بهذه العلامات.
وخلاصة الجواب: أنَّ الإجمال في القرآن والسنة لا يعود أبداً إلى الغلط في استعمال اللفظ المجمل كما هو الحال في الإجمال في كلام البشر دون الأنبياء، فأصل السؤال فاسد، وما بني على فاسد فهو فاسد.
وأما ما ذكره أبو عبد الحق في جوابه المنشور في الفيس بوك، وزعم أنَّ الشيخ ربيعاً والشيخ عبيداً عملا بقاعدة "حمل المجمل على المفصَّل"، فدونكم كشف تلبيسه:
قال أبو عبد الحق: ((وقد صنع الشيخ ربيع مثل ما صنعت كما في حمله كلام ابن القيم على أحسن المحامل حيث قال: "هذا الذي نقله عن ابن القيم، وهذا ليس بتعريف كما ترى، ولعله يريد حسن الظن ببعض الكبار ممن شهروا بالسير على منهج السلف ودعوا إلى ذلك وناظروا عليه، ولا يريد بذلك وضع قاعدة مطردة في كل من هبَّ ودبَّ من المنتسبين إلى السنة" المجموع في الحسن في الرد على أبي الحسن [1/4].
فهل ترى أيها الناقد أنَّ الشيخ ربيعاً يقول بحمل المجمل على المفصل؟!.
إن قلت: نعم كذبت، وإن قلت: لا ظلمت، أي ظلمتني لأنني دافعتُ عن الشيخ الفوزان وحملتُ كلامه على أحسن المحامل كما صنع الشيخ ربيع مع كلام ابن القيم، ومع هذا طعنتَ فيَّ باتهامك إياي بالقاعدة المأربية الخادمة للمبتدعة والحزبية.
وقال الشيخ ربيع مدافعاً عن شيخ الإسلام ومحسناً الظنَّ به وموجهاً لكلامه أحسن توجيه: "إنَّ هذا الكلام رد فعل لعمل رجل أفاك متجن على شيخ الإسلام ومكفر له، رغم أنه يقرر التوحيد ويرد الشرك والضلال بأساليب واضحة وعبارات صريحة، فقال هذا الكلام من باب فرض ما لم يقع أنه قد وقع، لدفع ظلم معين من شخص جاهل ظالم، وليس معنى كلامه وضع الحبل على الغارب لأهل الأهواء أن يتكلموا بالمجملات والمتشابهات، بل وبالألفاظ والمقالات المسهبة في تقرير الباطل، فإذا نوقشوا في هذه التصرفات الفاسدة فزعوا إلى المجمل والمفصل والصريح والكناية، شيخ الإسلام لا يريد بهذا الكلام التأصيل وإنما على الوجه الذي ذكرنا")).
والجواب عنه:                            
أنَّ أبا عبد الحق يتبع أهل التمييع حذو القذة بالقذة بالتأصيل والاستدلال واتباع المتشابه من الكلام، بله في التحريف ووضع الكلام في غير موضعه.
فكلام الشيخ ربيع حفظه الله لم يكن من باب حمل المجمل على المفصل أبداً، وإنما كان من باب دفع الشبهات التي يحاول بها أبو الحسن المأربي تأسيس قاعدة "وجوب حمل المجمل على المفصل في كلام أهل السنة" استدلالاً بالمتشابه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، لكنَّ أبا عبد الحق استغلَّ ردَّ الشيخ ربيع هذا في إعادة تأسيس هذه القاعدة من جديد.
وإذا رجع القارئ إلى تمام كلام الشيخ ربيع حفظه الله تبيَّن له صنيع أبي عبد الحق وتلاعبه، قال الشيخ ربيع في [إبطال مزاعم أبي الحسن حول المجمل والمفصل]: ((ولم أقف لأبي الحسن على تعريف للمجمل والمفصل غير هذا الذي نقله عن ابن القيم، وهذا ليس بتعريف كما ترى، ولعله يريد حسن الظن ببعض الكبار ممن شهروا بالسير على منهج السلف ودعوا إلى ذلك وناظروا عليه، ولا يريد بذلك وضع قاعدة مطردة في كل من هبَّ ودبَّ من المنتسبين إلى السنة، فإن كانت قاعدة كما يزعم أبو الحسن فأين دليلها من كتاب الله وسنة رسوله؟! فهذا الإمام أحمد إمام السنة يقول في من وقف في القرآن إنَّه مبتدع ضال، وفيهم أناس من كبار المنتسبين إلى السنة والحديث مثل يعقوب بن شيبة، وقال إسماعيل ابن علية وهو من كبار أهل السنة والحديث كلمة فهم منها أنه يقول بخلق القرآن فضلَّله بعض الأئمة، وشنَّ عليه الغارة كل أهل الحديث أو جلُّهم حتى رجع عن قوله، ولو لم يرجع لأسقطوه.
ولو أراد ابن القيم رحمه الله تعريف المجمل لنقل لنا كلام الأصوليين، لأنَّه يُعدُّ من أعلم الناس به.
وإذا كان الأمر كذلك فيظل كلام أبي الحسن بالمجمل والمفصل بمجمل لا يعرفه الناس وبمفصل لا يدل عليه دليل من الكتاب والسنة ولا عمل السلف الصالح؛ بل الكتاب والسنة على خلافه في أقوال الناس وأعمالهم)).
فلينظر القارئ إلى طريقة بتر الكلام التي استعملها أبو عبد الحق لكي يصوِّر للقارئ أنَّ العلامة ابن القيم رحمه الله قال كلاماً مجملاً يحتمل الحق والباطل، لكنَّ الشيخ ربيعاً حفظه الله حمله على الحق من باب حسن الظن به.
قال أبو عبد الحق: ((وقد صنع الشيخ ربيع مثل ما صنعتُ كما في حمله كلام ابن القيم على أحسن المحامل)).
الشيخ ربيع حفظه ردَّ على أبي الحسن المأربي وبيَّن أنَّ العلامة ابن القيم رحمه الله لم يقصد بدفاعه عن الإمام أبي إسماعيل الهروي والرد على من نسبه إلى أهل الاتحاد والحلول تأسيس قاعدة مطردة، وإنما أحسنَ الظنَّ بهذا الإمام الكبير والعالم الشهير وحمل كلامه الذي قد يقوله أهل الاتحاد والحلول على ما عُرِفَ عنه واشتُهِرَ به من عقيدة سلفية نافح عنها وناضل أهل البدع من أجلها، أي لم ينسبه إلى أهل الحلول والاتحاد، لكن هذا لا يعني أنَّ العلامة ابن القيم لم يُنكر عليه هذا الكلام، بل أنكره، وقد تقدم كلامه في أول هذا المقال.
فإذا كان الشيخ ربيع يُنكر على أبي الحسن ما بناه من قاعدة حمل المجمل على المفصل استناداً على كلام ابن القيم الذي أحسن الظنَّ بأبي إسماعيل الهروي، فكيف يأتي بعدها أبو عبد الحق فيقارن بين صنيعه مع الشيخ الفوزان وبين صنيع الشيخ ربيع مع العلامة ابن القيم؟!
فالشيخ ربيع لم يؤسس قاعدة وإنما حمل كلام العلامة ابن القيم على حسن الظن، بينما أبو عبد الحق صرَّح بوجوب حمل المجمل على المفصل في كلام أهل السنة، فأين هذا من ذاك؟!
وأما مقارنة أبي عبد الحق بين دفاعه المزعوم عن الشيخ صالح الفوزان حفظه الله وبين دفاع الشيخ ربيع حفظه الله عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
شيخ الإسلام رحمه الله ذكر في رده على "البكري" عبارة: ((فغير الرسول صلى الله وعليه وسلم إذا عبَّر بعبارة موهمة مقرونة بما يزيل الإيهام كان هذا سائغاً باتفاق أهل الإسلام))، فاستغلها أبو الحسن المأربي وأراد بها تأسيس قاعدة وجوب حمل المجمل على المفصل في كلام أهل السنة.
فردَّ عليه الشيخ ربيع حفظه الله في [إبطال مزاعم أبي الحسن حول المجمل والمفصل] فقال: ((هل شيخ الإسلام يريد بهذا الكلام وضع قاعدة لكلام أهل البدع ومواقفهم وأحوالهم من روافض وجهمية ومعتزلة وقدرية ومرجئة وصوفية وأشعرية وماتريدية، ولمن سيأتي بعدهم من أهل البدع والتحزبات السياسية؟!.
إنَّ هذا الكلام رد فعل لعمل رجل أفاك متجن على شيخ الإسلام ومكفر له، رغم أنه يقرر التوحيد ويرد الشرك والضلال بأساليب واضحة وعبارات صريحة فقال هذا الكلام من باب فرض مالم يقع أنه قد وقع لدفع ظلم معين من شخص جاهل ظالم، وليس معنى كلامه وضع الحبل على الغارب لأهل الأهواء أن يتكلموا بالمجملات والمتشابهات، بل وبالألفاظ والمقالات المسهبة في تقرير الباطل، فإذا نوقشوا في هذه التصرفات الفاسدة فزعوا إلى المجمل والمفصل والصريح والكناية.
شيخ الإسلام لا يريد بهذا الكلام التأصيل وإنما على الوجه الذي ذكرنا، ولو علم أنَّ بعض الناس سيتعلق بكلامه هذا لما قاله، انظر إلى قوله -رحمه الله- خلال كلامه في رده على بعض الناس الذين يتعلقون ببعض قواعد الأئمة فيننصرون باطلهم وحيلهم، قال -رحمه الله-: "فرب قاعدة لو علم صاحبها ما تفضي إليه لم يقلها" [بيان بطلان التحليل (ص215)].
ونحن نقول لو علم شيخ الإسلام ما يفضي إليه كلامه هذا لم يقله، ولو فرضنا أنه يراه قاعدة، فإنما مراده المجمل الذي يرافقه البيان في نفس السياق وتقييد المطلق في نفس السياق)).
فجاء أبو عبد الحق فاستغلَّ كلام الشيخ ربيع الذي تحته خط، مع أنَّ الشيخ ربيعاً حفظه الله علَّق على كلام شيخ الإسلام رحمه الله هذا وفرَّق بين الكلام المقترن بما يزيل الإيهام وبين الكلام الموهم، وقد تقدَّم بيان ذلك مفصلاً، بل تعقَّب شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه العبارة فقال: ((ولو علم أنَّ بعض الناس سيتعلَّق بكلامه هذا لما قاله))، وقال: ((ونحن نقول لو علم شيخ الإسلام ما يفضي إليه كلامه هذا لم يقله))، ومع هذا كلِّه عدَّ أبو عبد الحق صنيع الشيخ ربيع هذا كصنيعه في إيجاب حمل المجمل على المفصَّل في كلام أهل السنة، أليس هذا من التدليس القبيح والكذب الصريح؟!.
وأما احتجاج أبي عبد الحق بما صنعه أحد المشاركين في شبكة سحاب من توضيح كلام الشيخ عبيد الجابري حفظه الله في مسألة "ذكر أعيان المبتدعة في مجالس العامة"، فهذا من أوهن طرق الاحتجاج، فمعلوم أنَّ نشر الكلام في شبكة سحاب بلا نكير لا يعدُّ إقراراً به، مع كون كلام الأخ المعلِّق صحيحاً لا غبار عليه، فكلام الشيخ عبيد غير متعارض وليس كلامه الأول مجملاً يجب حمله على كلامه الآخر المفصَّل، بل جوابه كان في السؤالين على حسب صيغة السؤال، ودونكم البيان:
السؤال الأول كان بهذه الصيغة: يقرر البعض بأنه لا ينبغي تحذير العوام من أعيان المبتدعة لأنهم لا يقبلون الكلام فيهم، وإنما نتدرج معهم في تعلم السنة والبدعة، فإذا أدركوا ذلك ذكرنا لهم الأسماء، فهل هذا التقرير صحيح؟
فكان الجواب: ((نعم هذا صحيح، ونحن عليه إن شاء الله تعالى، لأنَّ من دعوتنا دعوة أهل السنة والجماعة الحكمة كما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم والخطاب عام يعمه ويعم كل داعية إلى الله على بصيرة: "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ"، وقال علي رضي الله عنه: "حدثوا الناس بما يعرفون"، فعلى الداعية البصير أن ينظر في المصالح والمفاسد:
- فإذا كان أهل بلد استحكم فيهم حب إنسان بأن يكون إمامهم ولا عرفوا التدين إلا من قبله - وهو يراه مبتدعاً ضالاً - فلا يُتكلم فيه بشيء، لا يٌتكلم فيه بشيء، يُحبب إليهم السنة وأهلها ويحذّر من البدع على سبيل الإجمال، كذا بدعة، كذا بدعة، كذا بدعة، وهكذا، حتى يحسن الدخول إلى نفوسهم وتطمئن إليه قلوبهم، هناك يبيّنُ لهم.
أما بادئ ذي بدء فهذا خطأ.
- وكذلك من رؤوس البدع رجال قد يكونوا مسؤولين في الدولة مثلاً وزير الشؤون الدينية، أو رئيس المحاكم، أو قاضي البلد، فهذا لا يُحسن التحذير منه، لأنه يضر دعوتنا، يضر دعوتنا ولا ينفع، بل تجب مداراته، في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها: "أنَّ رجلاً استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إذنوا له بئس أخو العشيرة"، فلما دخل عليه هش له وبش وألآن له الكلام، فلما خرج من عنده، قيل له يا رسول الله: قلت ما قلت ونراك ألنت له الحديث وهششت له وبششت؟ قال: "إنَّ شر الناس يوم القيامة من ودعه الناس (يعني تركوه ) إتقاء فحشه"، فبعض الناس لا يهجر ولا يحذَّر منه؛ لأنَّ شره يضر أهل الإسلام. أما صاحب الخطر الذي هو في نفسه: هذا إذا انتَصح وإلا يهجر ولا كرامة عليه)).
والسؤال الثاني كان بهذه الصيغة: هل يجوز تسمية أهل البدع بأعيانهم للعوام كمحمد حسان وطارق سويدان وغيرهم؟
فكان جواب الشيخ عبيد: ((نعم، إذا خشي نعم، وكان السلف يحذِّرون الصبيان من الخوارج وغيرهم، يحذرون صبياناً صغاراً، لا سيما إذا وصلت أفكارهم إلى البلد وخشيت، أو يوجد من يتردد على البلد هناك، يحذَّرون.
أما إذا كان الناس لا يعرفون هؤلاء ولا تصل أفكارهم إلى البلد عندكم فيتركون.
السائل: يا شيخ إذا ترتب على تعيينهم مفاسد؛ فكيف تحذير العوام من هؤلاء؟
الشيخ عبيد: يمكن أن نقول: فلان تكفيري، يمكن أن نقول: فلان يرى رأي الخوارج، نًبين الحق ونصدع به، أو نقول: فلان عنده بدعة تصل إلى التكفير ونبين.
لكن إذا خشي من العوام السطو على الدعوة أو الوشاية بها عند الحكام الفجرة: يترك هؤلاء وإنما يكتفى برد البدع)).
فأين وجه التعارض بين السؤالين؟!
وأين الإجمال في السؤال الأول؟!
الشيخ عبيد الجابري حفظه الله فصَّل في الجوابين المسألة تفصيلاً شافياً كافياً، فهو يقرر جواز الكلام في أعيان المبتدعة في مجلس العوام إذا خشي عليهم بدعته من حيث الأصل، إلا في حالات معينة مثل: إذا كان العوام لا يعرفون صاحب البدعة في بلدهم ولا تصلهم أفكاره، أو كان حب هذا المبتدع استحكم في قلوب العامة فيحتاج إلى تدرج معهم، أو كان المبتدع مسؤولاً أو قاضياً أو يُمكن أن يشي إلى حاكم أو مسؤول ظالم فيخشى من ضرره وسطوته على الدعوة السلفية ودعاتها.
فجواب الشيخ عبيد الأول مفصل، وجوابه الثاني مفصل أيضاً.
وأما استدلال أبي عبد الحق بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((وأخذ مذاهب الفقهاء من الإطلاقات من غير مراجعة لما فسَّروا به كلامهم وما تقتضيه أصولهم يجر إلى مذاهب قبيحة))، فالجواب عنه:
هذا الكلام ذكره شيخ الإسلام رحمه الله في [الصارم المسلوم 4/29] حول مسألة "إذا شتم الذمي الرسول هل ينتقض عهده ويقتل أم لا؟"، فذكر قول أغلب الفقهاء وأنه ينتقض عهده بهذا، وأنَّ بعض فقهاء المالكية قالوا: الإمام يتخيَّر في هذا، وعدَّ شيخ الإسلام الخلاف في هذه المسألة ضعيفاً، لأنَّ سببه الفهم المغلوط لإطلاقات الفقهاء في بعض مواضع كلامهم وعدم النظر في مفسَّر كلامهم.
وقد ذكرتُ فيما سلف الفرق بين مسألة (حمل المجمل على المفصل) ومسألة (معرفة مذهب الرجل بضم كلامه بعضه إلى بعض)، وأيَّدتُ كلامي بالنقل الواضح عن الشيخ العلامة أحمد النجمي رحمه الله، فالمسألة الأولى تفيد وجوب حمل الكلام المحتمل للحق وللباطل على الحق من باب حسن الظن أو حمل الكلام على أحسن المحامل، والمسألة الثانية تفيد أنَّ معرفة مذهب الرجل لا يُؤخذ من إطلاق عبارة محتملة بل يضم كلامه بعضه إلى بعض لإستخراج مذهبه ثم ينظر في مذهبه هل هو حق أم باطل؟، فالأولى يحمل فيها الكلام على الحق لزوماً والثانية يُعرف فيها الكلام - ولا يحمل على الحق لزوماً - وينظر فيه هل هو حق أم باطل؟ فهذا من باب تفسير الكلام المشكل أو الإطلاق المشكل وليس من باب حمل الكلام على أحسن المحامل، فيكون الاستدلال بكلام شيخ الإسلام رحمه الله في غير موضعه.
وبهذا يعرف القارئ المنصف أنَّ كلام العلماء الذين استدل بهم أبو عبد الحق في غير موضعه، ولا حجة له فيه وليس فيه إلزام لنا.
وختم أبو عبد الحق جوابه بنقل كلام عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في [الرد على البكري 2/705]: ((فغير الرسول صلى الله وعليه وسلم إذا عبَّر بعبارة موهمة مقرونة بما يزيل الإيهام كان هذا سائغاً باتفاق أهل الإسلام، وأيضاً فالوهم إذا كان لسوء فهم المستمع لا لتفريط المتكلمين لم يكن على المتكلم بذلك بأس، ولا يشترط في العلماء إذا تكلموا في العلم أن لا يتوهم متوهم من ألفاظهم خلاف مرادهم، بل ما زال الناس يتوهمون من أقوال الناس خلاف مرادهم، ولا يقدح ذلك في المتكلمين بالحق)).
وكلام شيخ الإسلام رحمه الله واضح لا لبس فيه، فمن تكلَّم بعبارة موهمة له حالتان: إما أن يقترن بكلامه ما يزل الإيهام فكلامه سائغ بالاتفاق، وإما أن لا يقترن به فكلامه مجمل ويُنكر عليه ويشنَّع لأنه استعمل المجمل من الكلام وأعرض عن المأثور وقد يُنسب إلى البدعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في [درء تعارض العقل والنقل 1/ 145]: ((فطريقة السلف والأئمة: أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل، ويراعون أيضاً الألفاظ الشرعية؛ فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، ومَنْ تكلَّم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه، ومَنْ تكلَّم بلفظ مبتدع يحتمل حقاً وباطلاً نسبوه إلى البدعة أيضاً، وقالوا: إنما قابل بدعة ببدعة ورد باطلاً بباطل)).
وقال في موضع آخر [المجموع 20/ 540]: ((فإنَّ مَنْ خاطب بلفظ عام يتناول حقاً وباطلاً ولم يبين مراده توجَّه الاعتراض عليه)).
وقال أيضاً [المجموع 8/ 294]: ((الواجب إطلاق العبارات الحسنة وهي المأثورة التي جاءت بها النصوص، والتفصيل في العبارات المجملة المشتبهة)).
وقال في [درء التعارض 1/ 149]: ((والمقصود هنا: أنَّ الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة المشتبهة لما فيه من لبس الحق بالباطل؛ مع ما توقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة والألفاظ التي بينت معانيها)).
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في [الصواعق المرسلة 3/ 927]: ((قال تعالى: "ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون"، فنهى عن لبس الحق بالباطل وكتمانه؛ ولبسه به خلطه به حتى يلتبس أحدهما بالآخر، ومنه التلبيس وهو التدليس والغش الذي يكون باطنه خلاف ظاهره.
فكذلك الحق إذا لبس بالباطل يكون فاعله قد أظهر الباطل في صورة الحق وتكلم بلفظ له معنيان معنى صحيح ومعنى باطل، فيتوهم السامع أنه أراد المعنى الصحيح ومراده الباطل فهذا من الإجمال في اللفظ.
وأما الاشتباه في المعنى فيكون له وجهان؛ هو حق من أحدهما وباطل من الآخر، فيوهم إرادة الوجه الصحيح ويكون مراده الباطل.
فأصل ضلال بني آدم من الألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة؛ ولاسيما إذا صادفت أذهاناً مخبطة، فكيف إذا انضاف إلى ذلك هوى وتعصب؟! فسل مثبِّت القلوب أن يثبِّت قلبك على دينه، وأن لا يوقعك في هذه الظلمات)).
وقال في [شفاء العليل ص136]: ((أصل بلاء أكثر الناس من جهة الألفاظ المجملة التي تشتمل على حق وباطل، فيطلقها مَنْ يريد حقها، فينكرها مَنْ يريد باطلها، فيرد عليه مَنْ يريد حقها؛ وهذا باب إذا تأمله الذكي الفطن رأى منه عجائب، وخلصه من ورطات تورط فيها أكثر الطوائف)).
والوهم قد يكون بسبب سوء فهم المستمع وقد يكون بسبب تفريط المتكلِّم، والمتكلِّم إذا تكلَّم بكلام موهم أو مجمل أو مشتبه يحتمل حقاً وباطلاً ولم يقترن بكلامه ما يرفع هذا الوهم فهو المفرِّط، وإن كان كلامه واضحاً لا وهم فيه ولا إجمال لكنَّ المستمع أساء فهم كلامه وحمله على غير وجهه الظاهر فلا تفريط على المتكلِّم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في [الرد على البكري 2/702-703]: ((بل الواجب أن يعبر عن المعنى باللفظ الذي يدل عليه:
- فإن كان اللفظ نصاً أو ظاهراً: حصل المقصود.
- وإنْ كان اللفظ يحتمل معنيين أحدهما صحيح والآخر فاسد: تبين المراد.
- وإنْ كان اللفظ يُفهم منه معنى فاسد: لم يطلق إلا مع بيان ما يزيل المحذور.
- وإنْ كان اللفظ يوهم بعض المستمعين معنى فاسداً: لم يخاطب بذلك اللفظ إذا علم أنه يوهم معنى فاسداً؛ لأنَّ المقصود بالكلام البيان والإفهام.
- وأما إذا كان اللفظ دالاً على المراد وجهل بعض الناس معناه من غير تفريط من المتكلِّم: فالدرك على المستمع لا على المتكلم)).
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في [الصواعق المرسلة 2/503]: ((وإنْ كان المتكلِّم قد قصَّر في بيانه وخاطب السامع بألفاظ مجملة تحتمل عدة معان ولم يتبين له ما أراده منها:
- فإنْ كان عاجزاً: أُتي السامع من عجزه لا من قصده.
- وإنْ كان قادراً عليه ولم يفعله حيث ينبغي فعله: أُتي السامع من سوء قصده)).
فهذا النقول العلمية أعرض عنها أبو عبد الحق وتمسَّك بكلام واحد لشيخ الإسلام رحمه الله لم يفهمه أو فهمه ووضعه في غير موضعه ليوافق هواه.
والله الموفِّق


كتبه/ أبو معاذ رائد آل طاهر