-->

السبت، 25 مارس، 2017

كشف الخلل ونقض الزلل في تقريرات أسامة بن عطايا في مسألة تارك العمل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله ومن سار على نهجه إلى يوم الدِّين؛ أما بعد:
فقد كنتُ من أكثر المناقشين المعترضين على كتابات أسامة بن عطايا في مسألة (تارك عمل الجوارح)، وناصحته فيها أكثر من مرة - في بيته وفي المراسلات التي بيني وبينه وفي المنتديات والمواقع - ولم أر منه إلا الخلط والتخليط والتناقض والاضطراب الشديد حتى بعد أن كتب في هذه المسألة شيخنا العلامة الشيخ ربيع حفظه الله مقالاته الأثرية في الرد على تشغيبات غلاة الحدادية؛ هذه المقالات المدعمة بالنصوص الصريحة كحديث الشفاعة وحديث البطاقة وأحاديث فضل التوحيد وبالآثار والنقول السلفية عن أئمة الإسلام وعلماء الدعوة سلفاً وخلفاً.
ولما رأيتُه قبل أيام وبالتحديد في (14/ 6/ 1438هـ) كتبَ مقالاً منشوراً في منابره المسماة [منابر النور] في التحذير مني تعييناً لا تعميماً!، وفي هذا المقال دعوى الإجماع على كفر تارك عمل الجوارح وربط المسألة بالإرجاء في أحوال معينة كما يزعم!، وفيه تنزيل وصف الحدادية على أهل العلم والسلفيين الذين يردون على تشغيبات غلاة الحدادية (المكفرين تارك عمل الجوارح والمدعين الإجماع في ذلك والطاعنين بفرية الإرجاء بعلماء الإسلام وأئمة الدعوة)، ونصُّ كلامه كما جاء في مقاله هو: ((ومن الحدادية: من استغلَّ قضية "تارك عمل الجوارح" ليتهم من يكفر تارك عمل الجوارح بأنه من الخوارج أو من الحدادية، أو يلمح بذلك؛ كما عليه مثل رائد آل طاهر وبعض الشباب المتنطعين ممن كان رائد على صلة بهم.
والخلاصة: أنَّ عقيدتي في تكفير تارك عمل الجوارح واعتقاد الإجماع على تكفيره راسخة لا تزحزحها شقشقة رائد ولا ألاعيبه، ولستُ مقلِّداً للشيخ الفوزان ولا للشيخ ربيع ولا لغيرهما، بل أتبع الدليل وأنصره)).
لما رأيتُه لم يتراجع عن قوله الذي يوافق فيه قول الحدادية في هذا الزمان - الذين كان في أحضانهم ويكتب في منتدياتهم ويتواصل معهم (منتديات المغرب الأقصى = دعوة الحق/ بإشراف عبد الله الغامدي) و (منتديات الآفاق/ بإشراف عبد الحميد الجهني) - عزمتُ الردَّ عليه في هذه المسألة بياناً للحق ونقضاً للباطل.
» ولا بدَّ أن يعرف القارئ أمراً مهماً وهو أنَّ أسامة بن عطايا كان على علاقة وتواصل مع (عماد فراج – عبد الله الغامدي – عبد الحميد الجهني – حمد العتيق – عبد العزيز الريس)، وكان لهؤلاء - بمعونة ابن عطايا في أحيان كثيرة! - جلسات متكررة مع شيخنا العلامة الشيخ ربيع حفظه الله لمحاولة تصوير الخلاف على غير صورته وأخذ كلمة من الشيخ يطيرون بها في الآفاق لتقرير مسألة تكفير تارك عمل الجوارح ودعوى الإجماع فيها واتهام المخالف بالإرجاء، ولكن خاب سعيهم.
فقد وقف شيخنا الشيخ ربيع في وجه محاولات هؤلاء موقفاً شديداً يذكِّرنا بموقف الإمام الشيخ ابن باز رحمه الله في وجه محاولات الذين يكفِّرون من يحكم بالقوانين الوضعية من غير استحلال كما في شريط "الدمعة البازية".
بل حاول الشيخ ربيع حفظه الله أن يكرَّ هو عليهم بما عنده من حجج وبراهين لإرشادهم إلى القول الحق وترك الخوض في مسألة تارك جنس العمل وترك دعوى الإجماع واتهام المخالف بالإرجاء، فلم يرفع أحدٌ منهم رأساً بهذا حتى هذه اللحظة.
وظهور أمر (الفراج والغامدي والجهني) وانقطاع صلتهم بابن عطايا وما حصل بينهم من ردود لا يعني أنَّ ابن عطايا يخالفهم في أصل دعوتهم.
ولينظر القارئ مقالاً بقلم أسامة بن عطايا بعنوان [بين «عبد الحميد الجهني» و«عبد الله صوان»] في شبكة الورقات، ليعرف حقيقة العلاقة بينهما وبين ابن عطايا وعماد فراج، ومحاولاتهم مع الشيخ ربيع حول هذه المسائل.
» فأسامة بن عطايا من خلال مقالاته القديمة والجديدة قرر خمسة أمور تدل على موافقته للحدادية في هذه المسألة:
الأول: تكفير تارك عمل الجوارح.
 الثاني: دعوى الإجماع على كفر تارك عمل الجوارح.
الثالث: اتهام المخالف بالإرجاء همزاً أحياناً ولمزاً في أحيان أخرى.
الرابع: يرى أنَّ الاحتجاج والاستدلال بحديث الشفاعة وحديث البطاقة على عدم تكفير تارك عمل الجوارح أو تارك الصلاة فيه نظر، وزعم أنَّ غير واحد من العلماء ردَّ الاحتجاج بهذه الأحاديث لأنه استدلال بالمفهوم في مقابل المنطوق، وأحياناً يؤوِّلها تأويلات متعسِّفة كما سيأتي بيانه.
الخامس: أنَّ تارك كمال الإيمان يكفر في حالات معينة.
وأضاف ابن عطايا إلى نفسه أمراً سادساً شذَّ فيه عن السلفية والحدادية، حيث زعم: أنَّ قول الشيخ الألباني والشيخ ربيع في هذه المسألة هو: تكفير تارك عمل الجوارح!!.
ودونكم أقواله موثقة من كلامه والرد عليها:

¤ قال أسامة بن عطايا في [جواب له نشره قديماً في "منتديات البيضاء" و "منابر النور" ثم حذفه من غير أن يتراجع عنه، والجواب منشور الآن في منتديات الآفاق يحتجون به عليه!]: ((فهذا كلام صريح من سفيان بن عيينة: بأنَّ الذي يقول بعدم كفر تارك عمل الجوارح مطلقاً هم المرجئة، وهو الصواب، وشيخنا الألباني رحمه الله بريء من هذا القول، وإنما قد تلفَّظ بعباراتٍ فهم منها بعض الناس أنه لا يكفر بترك أعمال الجوارح، وانتصروا لهذا القول، وردوا قول السلف، لظنهم أنهم ينتصرون للشيخ الألباني رحمه الله، وهو في الحقيقة نصرة للباطل، بل نصرة لمذهب المرجئة المحدث، والشيخ الألباني بريء منه.
وقد ظن بعض المشايخ الفضلاء - كما كنتُ أظن ذلك قبل عدة سنوات وناظرتُ عليه والله يعفو عني؛ مع أني كنتُ أصرح بتكفير تارك عمل الجوارح طول عمري ومشواري العلمي - أنَّ المسألة خلافية بين السلف، وأنَّ من السلف من يصحح إيمان من يترك عمل الجوارح بالكلية ويصر على ذلك ويعتقد أنه مسلم فاسق، وهذا غلط على السلف، بل قام إجماعهم على تكفير تارك عمل الجوارح.
لذلك فمن يقول بأنَّ تارك عمل الجوارح بالكلية مع القدرة والتمكن بأنه مسلم فاسق، فقوله قول المرجئة، ويرد عليه هذا الباطل، ولا يجوز الدفاع عن هذا القول ولا التبرير له.
وأما من يقول بكفر تارك عمل الجوارح لكنه يظن أنه قول عند السلف فهذا غلط علمي، حيث نسب قولاً باطلاً للسلف))
¤ وقال في آخره: ((ولكنه غلط علمي، ربما أدَّى إلى تمسُّك بعض الناس بالقول الباطل الذي هو من قول المرجئة، فيكون التشنيع على القول لكونه يفتح الباب أمام المرجئة ليستمروا على باطلهم ظناً أنه يوافق بعض السلف!، عموماً هو خطأ في فهم كلام بعض العلماء وليس بدعة)).
أقول:
أولاً: أما أثر الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله فقد جاء في [كتاب السنة لعبد الله بن أحمد 1/ 347 - 348]: ((حدثنا سويد بن سعيد الهروي قال: سألنا سفيان بن عيينة عن الارجاء؟ فقال: يقولون الإيمان قول، ونحن نقول: الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصراً بقلبه على ترك الفرائض!؛ وسمُّوا ترك الفرائض ذنباً بمنزلة ركوب المحارم، وليس بسواء؛ لأنَّ ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمداً من غير جهل ولا عذر هو كفر.
وبيان ذلك: في أمر آدم صلوات الله عليه وإبليس وعلماء اليهود؛ أما آدم: فنهاه الله عز وجل عن أكل الشجرة وحرمها عليه فأكل منها متعمداً ليكون ملكاً أو يكون من الخالدين فسمي عاصياً من غير كفر، وأما إبليس لعنه الله فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمداً فسمي كافراً، وأما علماء اليهود فعرفوا نعت النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي رسول كما يعرفون ابناءهم وأقروا به باللسان ولم يتبعوا شريعته فسماهم الله عز وجل كفاراً.
فركوب المحارم مثل ذنب آدم عليه السلام وغيره من الأنبياء، وأما ترك الفرائض جحوداً: فهو كفر مثل كفر إبليس لعنه الله، وتركهم على معرفة من غير جحود: فهو كفر مثل كفر علماء اليهود؛ والله أعلم)).
فمراد سفيان بن عيينة رحمه الله بقوله: "وترك الفرائض متعمداً من غير جهل ولا عذر هو كفر" أي: ترك الفرائض امتناعاً واستكباراً وإصراراً بالقلب كما هو حال إبليس واليهود لا تركاً مجرداً كحال آدم عليه السلام، وبدليل أنه قال: "مصراً بقلبه على ترك الفرائض".
وقد نقل الإمام الآجري رحمه الله في كتابه "الشريعة" عن سفيان بن عيينة رحمه الله ما يؤكِّد أنَّ ترك الفرائض عنده تهاوناً وكسلاً لا يكفر صاحبها، وهو قوله: ((فمن ترك خلة من خلل الإيمان جاحداً: كان بها عندنا كافراً، ومن تركها كسلاً أو تهاوناً: أدَّبناه، وكان بها عندنا ناقصاً، هكذا السنة أبلغها عني من سألك من الناس)).
فكيف فهم أسامة بن عطايا أنَّ الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله أراد الترك المجرد لأعمال الجوارح، وابن عيينة يصرِّح بالترك مع إصرار القلب ويجعله من باب ترك الفرائض جحوداً؟
وترك الفرائض له ثلاث صور:
1- يترك الفرائض جحوداً أو تكذيباً: فهذا كافر عند أهل السنة وأهل الإرجاء.
2- يترك الفرائض امتناعاً وإصراراً بالقلب واستكباراً.
وصورة المسألة: أن يقول بلسانه: أنا مؤمن بوجوب هذه الفرائض ولا أفعلها أبداً، أو يُعرَض على السيف ولا يفعلها حتى يقتل.
فهذا كافر عند عامة أهل السنة كما نقل ذلك الإمامان ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله؛ خلافاً للمرجئة ومن دخلت عليه شبهة الإرجاء.
3- يترك الفرائض تهاوناً وضعفاً وشهوة: فهذا موضع خلاف بين أهل السنة.
فالأولى والثانية ترك الفرائض يقترن به ترك إيمان القلب بالكلية، وهو الترك المكفِّر، وهذا الذي أراده ابن عيينة في كلامه السابق.
والثالثة هو الترك المجرد، وعلى فرض أنَّ ابن عيينة رحمه الله أراد هذا، فهذا الترك فيه نزاع بين أهل السنة.
قال الإمام المروزي رحمه الله في "تعظيم قدر الصلاة" نقلاً عن أحد مذاهب أهل الحديث: ((قالوا فمن ثم قلنا: إنَّ ترك التصديق بالله كفر به، وإنَّ ترك الفرائض مع تصديق الله أنه أوجبها كفر ليس بكفر بالله، إنما هو كفر من جهة ترك الحق؛ كما يقول القائل: كفرتني حقي ونعمتي، يريد ضيعت حقي وضيعت شكر نعمتي.
قالوا: ولنا في هذا قدوة بمن روى عنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين إذ جعلوا للكفر فروعاً دون أصله لا تنقل صاحبه عن ملة الإسلام، كما ثبتوا للإيمان من جهة العمل فرعاً للأصل لا ينقل تركه عن ملة الإسلام ...)).
وهذا القول هو أحد قولي أهل الحديث، قال الإمام ابن نصر المروزي بعد أن ذكر هذين القولين: ((فهذان مذهبان، هما في الجملة محكيان عن أحمد بن حنبل في موافقيه من أصحاب الحديث)).
وقال الإمام ابن منده رحمه الله في كتابه الإيمان [1/ 331 - 332]: ((وقال أهل الجماعة: الإيمان هي الطاعات كلها بالقلب واللسان وسائر الجوارح؛ غير أنَّ له أصلاً وفرعاً، فأصله: المعرفة بالله والتصديق له وبه وبما جاء من عنده بالقلب واللسان مع الخضوع له والحب له والخوف منه والتعظيم له مع ترك التكبر والاستنكاف والمعاندة، فإذا أتى بهذا الأصل فقد دخل في الإيمان ولزمه اسمه وأحكامه، ولا يكون مستكملاً له حتى يأتي بفرعه، وفرعه: المفترض عليه، أو الفرائض واجتناب المحارم)).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما في [المجموع 7/ 250 - 251]: ((فهذا كله يدل على: أنَّ هؤلاء من فسَّاق الملة، فإنَّ الفسق: يكون تارة بترك الفرائض، وتارة بفعل المحرمات)).
وقال كما في [المجموع 20/ 90-91]: ((قَدْ تَقَرَّرَ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ: أَنَّهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبِ وَلَا يُخْرِجُونَهُ مِنْ الْإِسْلَامِ بِعَمَلِ - إذَا كَانَ فِعْلًا مَنْهِيًّا عَنْهُ: مِثْلَ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ - مَا لَمْ يَتَضَمَّنْ تَرْكَ الْإِيمَانِ، وَأَمَّا إنْ تَضَمَّنَ تَرْكَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ - مِثْلَ: الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ ؛ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ - فَإِنَّهُ يَكْفُرُ بِهِ، وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ بِعَدَمِ اعْتِقَادِ وُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَعَدَمِ تَحْرِيمِ الْحُرُمَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَالذُّنُوبُ تَنْقَسِمُ إلَى تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ وَفِعْلِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ؟
قُلْتُ: لَكِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ إذَا تَرَكَهُ الْعَبْدُ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا بِوُجُوبِهِ أَوْ لَا يَكُونَ؟ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِوُجُوبِهِ تَارِكًا لِأَدَائِهِ فَلَمْ يَتْرُكْ الْوَاجِبَ كُلَّهُ بَلْ أَدَّى بَعْضَهُ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِهِ وَتَرَكَ بَعْضَهُ وَهُوَ الْعَمَلُ بِهِ. وَكَذَلِكَ الْمُحَرَّمُ إذَا فَعَلَهُ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا بِتَحْرِيمِهِ أَوْ لَا يَكُونَ؟ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِتَحْرِيمِهِ فَاعِلًا لَهُ: فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ أَدَاءِ وَاجِبٍ وَفِعْلِ مُحَرَّمٍ فَصَارَ لَهُ حَسَنَةٌ وَسَيِّئَةٌ.
وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يُعْذَرُ بِتَرْكِ الْإِيمَانِ بِوُجُوبِهِ وَتَحْرِيمِهِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ فِيمَا فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ بِتَأْوِيلِ أَوْ جَهْلٍ يُعْذَرُ بِهِ: فَالْكَلَامُ فِي تَرْكِهِ هَذَا الِاعْتِقَادَ كَالْكَلَامِ فِيمَا فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ بِتَأْوِيلِ أَوْ جَهْلٍ يُعْذَرُ بِهِ.
وَأَمَّا كَوْنُ تَرْكِ الْإِيمَانِ بِهَذِهِ الشَّرَائِعِ كُفْرًا، وَفِعْلُ الْمُحَرَّمِ الْمُجَرَّدِ لَيْسَ كُفْرًا: فَهَذَا مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ؛ وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ كِتَابُ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: "فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ"، إذْ الْإِقْرَارُ بِهَا مُرَادٌ بِالِاتِّفَاقِ وَفِي تَرْكِ الْفِعْلِ نِزَاعٌ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ"، فَإِنَّ عَدَمَ الْإِيمَانِ بِوُجُوبِهِ وَتَرْكِهِ: كُفْرٌ، وَالْإِيمَانُ بِوُجُوبِهِ وَفِعْلِهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا مِنْ هَذَا النَّصِّ كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: هُوَ مَنْ لَا يَرَى حَجَّهُ بِرًّا وَلَا تَرْكَهُ إثْمًا، وَأَمَّا التَّرْكُ الْمُجَرَّدُ فَفِيهِ نِزَاعٌ)).
وكلام الأئمة هؤلاء واضح في التفريق بين (ترك الإيمان بالفرائض وهو الجحود أو الاستكبار ونحو ذلك) وبين (الترك المجرد لهذه الفرائض مع الإيمان بوجوبها)، وهذا ما لم يفطن له أسامة عطايا ومن كان على شاكلته.
ثانياً: أما دعوى أسامة بن عطايا أنَّ الشيخ الألباني رحمه الله يرى كفر تارك عمل الجوارح، فهذه دعوى غير صحيحة، ودونكم كلام الشيخ رحمه الله:
سُئل الشخ الألباني رحمه الله كما في [شريط "التحرير في مسائل التكفير"/ لقاء مع خالد العنبري]: ما موقع العمل من الإيمان؟ وهل هو شرط كمال أم شرط صحة؟ أرجو توضيح هذه القضية وبارك الله فيكم.
قال الشيخ الألباني: ((الذي فهمناه من أدلة الكتاب والسنة ومن أقوال الأئمة من صحابة وتابعين وأئمة مجتهدين: أنَّ ما جاوز العمل القلبي وتعدَّاه إلى ما يتعلَّق بالعمل البدني فهو شرط كمال وليس شرط صحة...)).
وقال الشيخ الألباني رحمه الله في [السلسلة الصحيحة حديث (3054)]: ((إنَّ الأعمال الصالحة كلها شرط كمال عند أهل السُّنة؛ خلافاً للخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد أهل الكبائر في النار مع تصريح الخوارج بتكفيرهم)).
وسُئل رحمه الله في [سلسلة الهدى والنور/830]: هل صحيح أنَّ من مات على التوحيد وإنْ لم يعمل بمقتضاه وأول مقتضى التوحيد إقامة الصلاة، هل يكفر ويخلد مع الخارج الكافر في نار جهنم أم لا؟
الشيخ الألباني: ((السلف فرَّقوا بين الإيمان وبين العمل، فجعلوا العمل شرط كمال في الإيمان ولم يجعلوه شرط صحة خلافاً للخوارج...))، ثم قال في آخر الجواب: ((هؤلاء التقوا مع الحنابلة في القول بتكفير تارك الصلاة، لكنهم خرجوا عن الحنابلة وعن الشافعية والمالكية والحنفية وعن بقية المسلمين في قولهم بتكفير التارك للعمل - كما قلتَ أنت أنَّ الإيمان لا يكفي نقلاً طبعاً عنهم، لا يكفي إنما مقتضاه العمل - بينما الأحاديث التي تعرفونها جيداً والتي من بعض أجزاء أحاديث الشفاعة: أنَّ الله عز وجل يأمر بإخراج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة، مثقال ذرة من إيمان، هذا الإيمان هو الذي ينجِّي من الخلود في النار، وهذا هو من معاني قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ")).
وقال رحمه الله في [شرح الأدب المفرد/ حديث "فأي الرقاب أفضل"]: ((فعلى كل حال: فنحن نفرِّق بين الإيمان الذي مقره القلب، وبين الأعمال التي هي من أعمال الجوارح، فأعمال الجوارح هي أجزاء مكملة للإيمان ليست أجزاء أصيلة من الأيمان، إنما كلما ازداد الإنسان عملاً صالحاً كلما قوي هذا الإيمان الذي مقره القلب، فكلما كثرت الأعمال الصالحة كلما نما هذا الإيمان في القلب وبالعكس)).
وفي حديث [حوسب رجل ممن كان قبلكم...] قال رحمه الله: ((لا بدَّ أن ننظر إلى مثل هذه الأحاديث التي فيها دخول الناس الجنة وليس لهم عمل: بأنَّ لديهم أصل الإيمان)).
وسئل الشيخ الألباني رحمه الله قبل موته بخمس سنوات عن حكم تارك العمل بالكلية ونص السؤال والجواب كما في رسالة [تبرئة الإمام المُحَدِّث من قول المرجئة المُحْدَث ص45-46 طبعة دار الإمام مالك]: السائل: قضية الرجل من بني اسرائيل "الذي لم يعمل خيراً قط", هل نفهم من هذا الكلام أنَّ تارك العمل بالكلية لا يكفر؟ وإن كان هذا الكلام صحيحاً؛ فما هو الفرق بين الإرجاء البدعي والإرجاء السني؟
فكان جواب الشيخ الألباني رحمه الله: ((هذه من مصائب العصر الحاضر, الإرجاء قسمان:
إرجاء المؤاخذة على ترك العمل إلى الله عز وجل كما نصت عليه الآية الكريمة: "إنَّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"، وهذا متفق عليه بين اهل السنة والجماعة, كما كانوا يقولون قديماً.
والإرجاء الآخر الذي هو عقيدة المرجئة: هم الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان شيء, كما لا ينفع عمل صالح مع الشرك شيئاً, فيؤخرون العمل عن الإيمان, ولا يجعلونه جزءاً من الإيمان, ولا شك ولا ريب أنَّ الإيمان كما هو مقرر في الكتاب والسنة أولاً وفي كتب العقائد السلفية ثانياً: أنَّ العمل جزء من الإيمان, لكن هذا الجزء هو جزء كمال وليس جزء صحة, ومن هنا تختلف عقيدة أهل السنة عن الخوارج: فالخوارج هم الذين يجعلون العمل ركناً من أركان الإيمان؛ فمن لم يعمل كفر وارتد عن دينه، أما أهل السنة والجماعة فهم يعدون العمل ليس ركناً وإنما جزء, ومن أجل ذلك: قالوا بأنَّ الإيمان يزيد وينقص؛ زيادته بالعمل, ونقصانه بترك العمل الصالح وارتكاب العمل الطالح, لكن لا أحد منهم يوافق الخوارج على القول بأنَّ العمل هو ركن أساسي في الإيمان)).
وفي [شريط رقم (297) من سلسلة الهدى والنور] جرى نقاش بين الشيخ الألباني رحمه الله وبين أحدهم في مسألة كفر تارك الصلاة؛ وجاء فيه:
قال الشيخ الألباني: شو ورد في السنة؟
السائل: مثل حديث البطاقة
الشيخ الألباني: وشو الاحتمال الذي يرد عليه؟
السائل:  مثل حديث البطاقة يا شيخ.
الشيخ الألباني:  طيب ما باله؟
السائل: إنه لم يفعل خيراً إلا هذه الكلمة
الشيخ الألباني: طيب؛ شو يرد عليه؟
السائل: يرِدُ عليه؛ أنَّ هذا الرجل لم يمكَّن من فعل الخيرات كقاتل التسع والتسعين نفساً!.
أحد الحاضرين معقباً: ومُكِّن من فعل السيئات مائة سجل؟!
فقال الشيخ الألباني مؤيداً المعقِّب: هكذا يعني!!
ثم قال الشيخ سائلاً ومستنكراً: والأحاديث المتواترة في الشفاعة يوم القيامة "أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من خير"، وفي رواية "من إيمان"؛ لم يتمكَّن من أعمال الإيمان؟! وفي الأحاديث الصحيحة أي الأعمال أفضل؟ أعمال أفضل؛ وذكر منها الصلاة والحج وما شابه ذلك، لم يتمكَّن من الأعمال الصالحة كلها، ولذلك ما بقي في قلبه إلا ذرة من إيمان وذرة من خير؟ هيك يعني معنى الحديث؟! وهكذا يسوقه علماء السلف الذين تلقينا العقيدة منهم؟! لما يسوقوا الشفاعة وأحاديث الشفاعة يعنون الذين ما استطاعوا أن يعملوا عمل الخير؟! هكذا؟!!، لقد وقعتم فيما أنكرتم على مَنْ خالفكم من أهل الأهواء، إنكم تلفون وتدورون على الاحاديث الصحيحة وتتأولونها مع فكرة قائمة في أذهانكم!، لن تستطيعوا حتى اليوم أن تثبتوها بالأدلة من الكتاب والسنة إلا بالتأويل، وعلى كل حال؛ فالأدلة التي أنت ذكرتها هي حجة عليك، لإنك تتأولها بما يشبه تعطيل المؤولة لنصوص الكتاب والسنة فيما يتعلق بالصفات الإلهية، فنحن الآن لا فرق بين هؤلاء وبين أهل الكلام من حيث التعطيل؛ الفرق شكلي!، أولئك يعطِّلون النصوص المتعلِّقة في الصفات الإلهية، وهؤلاء يعطِّلون النصوص المتعلِّقة بالأحكام الشرعية!، والتعطيل واحد)).
وقال رحمه الله [السلسلة الصحيحة حديث (87) حول حديث حذيفة "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب"]: ((هذا وفي الحديث فائدةٌ فقهية هامةٌ: وهي أنَّ شهادة أنْ لا إله إلا الله تُنجي قائلَها من الخلودِ في النَّار يومَ القيامةِ ولو كان لا يَقومُ بشيء من أركان الإسلام الخمسةِ الأخرى كالصَّلاة وغيرها...، فهذا نصٌّ من حذيفة على أنَّ تارك الصلاة - ومثلها بقية الأركان - ليس بكافر، بل هو مسلم ناجٍ من الخلود في النار يوم القيامة، فاحفظ هذا فإنك قد لا تجده في غير هذا المكان)).
وقال رحمه الله في رسالة "حكم تارك الصلاة" بعد ذكر حديث الشفاعة الطويل: ((مما يدل على أنَّ شفاعة المؤمنين كانت لغير المصلين في المرة الثانية وما بعدها وأنهم أخرجوهم من النار، فهذا نصُّ قاطع في المسألة ينبغي به أن يزول به النزاع في هذه المسألة بين أهل العلم الذين تجمعهم العقيدة الواحدة التي منها: عدم تكفير أهل الكبائر من الأمة المحمدية))، وقال في آخر الرسالة: ((هذا وقد بلغني أنَّ بعضهم لما أوقف على هذا الحديث شكَّك في دلالته على نجاة المسلم التارك للصلاة من الخلود في النار مع الكفار، وزعم أنه ليس له ذكر في كل الدفعات التي أخرجت من النار، وهذه مكابرة عجيبة تذكرنا بمكابرة بعض متعصبة المذاهب في رد دلالات النصوص انتصاراً للمذهب، فإنَّ الحديث صريح في أنَّ الدفعة الأولى شملت المصلين بعلامة أنَّ النار لم تأكل وجوههم، فما بعدها من الدفعات ليس فيها مصلون بداهة، فإن لم ينفع مثل هذا بعض المقلدين الجامدين فليس لنا إلا أن نقول: "سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين".
 والخلاصة:  أنَّ حديثنا هذا - حديث الشفاعة - حديث عظيم في كثير من دلالاته ومعانيه، من ذلك كما قدمتُ: دلالته القاطعة على أنَّ تارك الصلاة - مع إيمانه بوجوبها - لا يخرج من الملة ولا يخلد في النار مع الكفرة والمشركين)).
فهل بعد هذه كلِّه يقال: أنَّ الشيخ الألباني رحمه الله يرى تكفير تارك عمل الجوارح؟!
ثالثاً: وأما دعوى الإجماع على تكفير تارك عمل الجوارح التي لا زال أسامة بن عطايا مصراً عليها حتى يومنا هذا، فهي دعوى باطلة تخالف النصوص الصريحة الدالة على نجاة أهل التوحيد – ممن كان عنده أصل الإيمان ولم يعمل خيراً قط بجوارحه - من الخلود في النار إن دخلها، ومن ذلك قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء"، وأحاديث الشفاعة وأحاديث فضل التوحيد وحديث البطاقة وغيرها من الأحاديث المستفيضة التي تدل على أنَّ فاعل الكبائر وتارك الفرائض تهاوناً تحت المشيئة ويخرج من النار بتوحيده وإيمانه وإن كان إيمانه في غاية الضعف، وكذلك هذه الدعوى منقوضة بالآثار السلفية والنقول العلمية عن أئمة الدين وعلماء السنة المشهورين، وكل ذلك ذكره شيخنا العلامة الشيخ ربيع المدخلي حفظه الله في عدة مقالات في رده على تشغيبات واستدلالات وشبهات غلاة الحدادية، وأسامة بن عطايا لا يخفى عليه هذا، بل نشر بعض هذه المقالات في منتدياته [منابر النور]، ولكنه لا يرفع بها رأساً.
ومن هذه المقالات التي نقض فيها الشيخ ربيع دعوى الإجماع:
* [متعالم مغرور يرمي جمهور أهل السنة وأئمتهم بالإرجاء وبمخالفة السنة وإجماع الصحابة على تكفير تارك الصلاة " الحلقة الاولى "]
* [متعالم مغرور يرمي جمهور أهل السنة وأئمتهم بالإرجاء وبمخالفة السنة وإجماع الصحابة على تكفير تارك الصلاة "الحلقة الثانية"]
* [الحدادية تتسقط الآثار الواهية والأصول الفاسدة وهدفها من ذلك تضليل أهل السنة السابقين واللاحقين]
* [أحاديث الشفاعة الصحيحة تدمغ الخوارج والحدادية القطبية]
* [الرد على من يقول: إنَّ أحاديث الشفاعة وحديث البطاقة من المتشابه مخالفين لإجماع الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين]
* [الحجة الدامغة لأباطيل وأصول الحدادية التي يتشبث بها عبد الله بن صوان الجهول]
* [وقفات مع مقال البليد الغبي عبد الله صوان]
* [إبطال إفك وافتراء عبد الله صوان الحدادي]
* [وقفات مع بعض تلبيسات وجهالات عبد الحميد الجهني في مقاله "كشف الخفاء عن مسألة محدثة استقوى بها الإرجاء" - الحلقة الأولى]
* [وقفات مع بعض تلبيسات وجهالات عبد الحميد الجهني في مقاله "كشف الخفاء عن مسألة محدثة استقوى بها الإرجاء" - الحلقة الثانية]
* [الحلقة الثانية من رَدِّي على مقال الجهني "حوار مباشر بين مرجئ قديم ومرجئ معاصر"]
* [الحداديون التكفيريون يرمون أهل السنة السابقين واللاحقين وأئمتهم بالإرجاء لأنهم يقولون " الإيمان أصل والعمل فرع "]
* [مضامين "المقالات الأثرية في الرد على شبهات وتشغيبات الحدادية"، ومعها ملحق مهم]
* [المنهج الحدادي يحتفي أهله بالأحاديث الواهية والمنكرة ليشغبوا بها على جمهور أهل السنة السابقين واللاحقين، بل ليطعنوا فيهم- الحلقة الثانية من الرد على عادل آل حمدان]
فأين موقف أسامة بن عطايا من هذه المقالات التي اشتملت على النصوص الصريحة والنقول الواضحة في عدم تكفير تارك عمل الجوارح؟!
ومما قاله الشيخ ربيع حفظه الله في بعض هذه المقالات:
1- ((فدلَّ هذا الحديث أنَّ الشفاعة ستكون لأصناف من هذه الأمة:
الصنف الأول: المصلون الصائمون القائمون بالحج، فهؤلاء مع قيامهم بهذه الأركان دخلوا النار بذنوب أوبقتهم، فمن لا يقوم بها أشد عذاباً منهم وأشد.
الصنف الثاني: من في قلبه مثقال دينار من خير، فهؤلاء خرجوا من النار بما في قلوبهم من الإيمان وأعمال القلوب، ومنها إخلاصهم في التوحيد.
والصنف الثالث: من في قلبه مثقال ذرة من خير، وهذا الخير هو الإيمان مع الإخلاص فيه.
الصنف الرابع: صنف لم يعملوا خيراً قط، يخرجهم الله من النار بما في قلوبهم من الإيمان والإخلاص وبمحض رحمة الله!، ويسميهم أهل الجنة عتقاء الله، ويقولون أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه.
وهذا النفي إنما هو "لأعمال الجوارح" لا لأعمال القلوب، ومنها إخلاص التوحيد، صرَّح بهذا كله رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يقول إلا الحق، ولا ينطق عن الهوى)).
2- ((فأقوال هؤلاء الأئمة الذين لا يكفرون إلا بالشرك تهدم دعوى إجماع الحدادية، والظاهر أنَّ عمدتهم أحاديث الشفاعة وأحاديث فضل التوحيد)).
3- ((فالذي يتنكَّر لمضمون هذه الأحاديث ويرمي من يؤمن بها ويقول بدلالاتها بالإرجاء: لا يرى للتوحيد هذه المكانة العظيمة عند الله وعند رسوله والمؤمنين)).
4- ((وهل قول الإمام أحمد بعدم تكفير "تارك الصلاة" وقوله بعدم تكفير "تارك العمل"، هل حينما قال هذا وذاك كان مرجئاً؟!
وهل قول البربهاري وقول ابن بطة وابن البناء - كما سيأتي- بعدم تكفير "تاركي العمل"، وبدخولهم الجنة بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم؛ هل أخرجتهم هذه الأقوال من السنة إلى بدعة الإرجاء؟! إنَّ هذا الرجل لا يرى أهل السنة إلا مَنْ يكفِّر تارك الصلاة، ومَنْ عداهم ليس من أهل السنة)).
5- ((فهل هؤلاء العلماء مرجئة؟! وهل الإمام أحمد حينما كان يرى عدم التكفير بالأركان الأربعة مرجئاً؟!، وهل كان ابن بطة من المرجئة حينما أخذ برواية الإمام أحمد؟! وهل ابن البناء مرجئ بتقريره الكلام السابق؟!
وهل الأئمة الزهري ومالك والشافعي وجمهور أهل الحديث مرجئة؟!! إنه لا يرمي هؤلاء بالإرجاء وأمثالهم إلا من عنده نزعة خارجية قوية)).
6- ((أضف إلى ذلك: أنَّ الإمام محمد بن نصر ذكر اختلاف أهل الحديث في الإيمان والإسلام، هل معناهما واحد أو أنهما مختلفان في المعنى، وقسمهم إلى ثلاث طوائف، كل هذه الطوائف ترى أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وأن خروجهم بسبب ما في قلوبهم من إيمان)).
7- ((فعلماء الأمة اختلفوا في تكفير تارك الأركان كسلاً، وأجمعوا على تكفير تاركها جحوداً، وأجمعوا على كفر تارك الشهادتين، والإمام محمد لا يكفر إلا بما أجمعوا عليه وهو الشهادتان.
وقوله هذا نص واضح في عدم تكفير تارك العمل؛ إذ ليس وراء الأركان الخمسة من الأعمال ما يكفر به، بل نص على أنه لا يكفر إلا بما أجمعوا عليه، وهو الشهادتان)).
8- ((وإذا كان لا يُكفِّر إلا بترك الأركان الأربعة فهو لا يُكفِّر بما بعدها من الأعمال، وكذلك لا يُكفِّر بترك الصلاة ولا بترك ركنين آخرين، فيكون معرَّضاً لسخط عادل ومَنْ على شاكلته؛ لأنه يشارك مَنْ لا يكفر "تارك العمل" مشاركة كبيرة جداً يستحق الإلحاق به في الحكم عليه بأنه مرجئ على المذهب الحدادي!، وأخشى أن يكفروهما.
ومَنْ لا يكفِّر بترك الصلاة لا يكفِّر بترك باقي الأركان ولا بما بعدها من العمل، فهو مرجئ شديد الإرجاء!؛ وإنْ كان مثل الزهري ومالك والشافعي وجميع مَنْ لا يكفر تارك الصلاة!!، ومنهم جماهير أهل الحديث!!!، وحتى عادل ومَنْ على شاكلته واقعون في الإرجاء؛ لأنهم لا يكفِّرون بترك الأركان الثلاثة، فتصير الأمة كلها مرجئة على منهج عادل وأضرابه.
إنَّ الرمي بالإرجاء لسهل جداً عند الخوارج!، وعند عادل ومَنْ على منهجه!!. أما عند أهل السنة فلا؛ لعدلهم وورعهم واحترامهم لمن يقول: الإيمان قول وعمل واعتقاد، ويخالف المرجئة، ويستنكر قولهم وما يؤدي إليه)).
9- ((ثم إنه [الشيخ ابن باز رحمه الله] سُئل عمن لا يُكفر تارك العمل هل هو مرجئ؟ فقال: "لا، هو من أهل السنة"، "مجلة الفرقان"/ العدد (94) السنة العاشرة شوال 1418هـ.، وهذا الكلام ضد منهج الحدادية الذين يرمون بالإرجاء من لا يكفِّر تارك العمل)).
10- ((ونسأل مَنْ يرمي مَنْ لا يكفر تارك جنس العمل أو تارك العمل بالإرجاء ويدَّعون الإجماع على كفر تارك جنس العمل: فهل ابن رجب - ومن هو أعلم منه ممن سلف ذكرهم - يجهلون هذا الإجماع؟! أو هم يعلمونه ويذهبون إلى مخالفته؟، ثم هل تجتمع الأمة على مخالفة النصوص الصريحة من الكتاب والسنة، ومنها ما ذكرته في هذا البحث؟!)).
11- ((فأقوال هؤلاء الأئمة مبنية على كتاب الله  وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم المتواترة، ومن يخالفهم من إخوانهم أهل  السنة فيكفرون تارك الصلاة أو تارك العمل لهم أدلتهم وكلا الطرفين مجتهدون، ولا يطعن بعضهم في بعض لا بمذهب الخوارج ولا بمذهب المرجئة؛ لكمال أخلاقهم وقوة إنصافهم، وهذا بخلاف ما عليه كثير من أهل الأهواء؛ فإنهم لانحرافهم وبغيهم لا يتورعون عن الطعون في أهل السنة والحديث كما معروف من تاريخهم، وكما هو معروف عن أهل الأهواء المعاصرين ومنهم الفرقة الحدادية الظالمة  الباغية؛ الذين يقتضي منهجهم وأصولهم رمي جمهور أهل السنة بالإرجاء ومنهم هؤلاء الأئمة)).
12- ((إذا عرفتَ أيها المسلم المنصف عقيدة أهل السنة ومنهجهم وأصولهم، وعرفتَ الفوارق بينهم وبين أهل الأهواء، وخاصة المرجئة، اتضح لك جلياً: أنَّ من يرميهم بالإرجاء فإنما هو أفاك فاجر مبتدع، مخالف لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه يسير على مذهب الخوارج شر الخلق والخليقة، ومنهم الفرقة الحدادية التي زادت على الخوارج بوضع الأصول الفاجرة لحرب أهل السنة السابقين واللاحقين ورميهم بالإرجاء والتجهم)).
ولا بدَّ أن يعرف القارئ أنَّ دعوى الإجماع التي ادَّعها أسامة بن عطايا ومن على شاكلته لازمها أنَّ قول من لم يكفِّر تارك عمل الجوارح هو خارج عن أقوال أهل السنة، وهو من الإرجاء أو وافقهم في هذا، وهذا طعن في جمهور العلماء من سلف هذه الأمة، سواء أعلن هذا ابن عطايا كما كان يفعل قديماً ولم يتراجع عنه حتى هذه اللحظة أو أخفى هذا إلى حين كما هو عليه الآن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في [منهاج السنة 8/ 250]: ((فإنَّ السلف كان يشتدُّ إنكارهم على مَنْ يخالف الإجماع، ويعدُّونه من أهل الزيغ والضلال)).
وقال الشيخ ربيع حفظه الله في [مضامين "المقالات الأثرية في الرد على شبهات وتشغيبات الحدادية"، ومعها ملحق مهم]: ((وأكذبُ من يدَّعي الإجماع هم الحدادية)).  
وقال حفظه الله في مقدمة هذه المضامين: (("موقف الإمامين أحمد والشافعي وغيرهما، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن القيم من دعاوى الإجماع:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في "مجموع الفتاوى" (19/271):
{وَإِذَا نَقَلَ عَالِم الْإِجْمَاعِ، وَنَقَلَ آخَرُ النِّزَاعَ إمَّا نَقْلًا سمى قَائِلهُ وَإِمَّا نَقْلًا بِخِلَافٍ مُطْلَقًا وَلَمْ يُسَمِّ قَائله:
فَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ نَقْلًا لِخِلَافٍ لَمْ يَثْبُتْ، فَإِنَّهُ مُقَابِلٌ بِأَنْ يُقَالَ وَلَا يَثْبُتُ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ، بَلْ نَاقِلُ الْإِجْمَاعِ نَافٍ لِلْخِلَافِ، وَهَذَا مُثْبِتٌ لَهُ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي.
وَإِذَا قِيلَ: يَجُوزُ فِي نَاقِلِ النِّزَاعِ أَنْ يَكُونَ قَدْ غَلِطَ فِيمَا أَثْبَتَهُ مِنْ الْخِلَافِ؛ إمَّا لِضَعْفِ الْإِسْنَادِ أَوْ لِعَدَمِ الدَّلَالَةِ.
قِيلَ لَهُ: وَنَافِي النِّزَاعِ غَلَطُهُ أجوز؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ لَمْ تَبْلُغْهُ، أَوْ بَلَغَتْهُ وَظَنَّ ضَعْفَ إسْنَادِهَا وَكَانَتْ صَحِيحَةً عِنْدَ غَيْرِهِ، أَوْ ظَنَّ عَدَمَ الدَّلَالَةِ وَكَانَتْ دَالَّةً.
فَكُلمَا يَجُوزُ عَلَى الْمُثْبِتِ مِنْ الْغَلَطِ، يَجُوزُ عَلَى النَّافِي، مَعَ زِيَادَةِ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْخِلَافِ.
وَهَذَا يَشْتَرِكُ فِيهِ عَامَّةُ الْخِلَافِ؛ فَإِنَّ عَدَمَ الْعِلْمِ لَيْسَ عِلْمًا بِالْعَدَمِ لَا سِيَّمَا فِي أَقْوَالِ عُلَمَاءِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا إلَّا رَبُّ الْعَالَمِينَ.
وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ: "مَنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فَقَدْ كَذَبَ؛ هَذِهِ دَعْوَى الْمَرِيسِيَّ وَالْأَصَمِّ؛ وَلَكِنْ يَقُولُ: لَا أَعْلَمُ نِزَاعًا"، وَاَلَّذِينَ كَانُوا يَذْكُرُونَ الْإِجْمَاعَ كَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَغَيْرِهِمَا يُفَسِّرُونَ مُرَادَهُمْ: بِأَنَّا لَا نَعْلَمُ نِزَاعًا، وَيَقُولُونَ هَذَا هُوَ الْإِجْمَاعُ الَّذِي نَدَّعِيه}.
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في "إعلام الموقعين" (1/29-30) متحدِّثاً عن أصول الإمام أحمد رحمه الله: {وكان فتاويه مبنية على خمسة أصول:
 أحدها: النصوص، فإذا وجد النص أفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه كائناً من كان، ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في المبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس، ولا إلى خلافه في التيمم للجنب لحديث عمار بن ياسر، ولا خلافه في استدامة المحرم الطيب الذي تطيب به قبل إحرامه لصحة حديث عائشة في ذلك، ولا خلافه في منع المفرد والقارن من الفسخ إلى التمتع لصحة أحاديث الفسخ، وكذلك لم يلتفت إلى قول علي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأبي بن كعب في ترك الغسل من الإكسال لصحة حديث عائشة أنها فعلته هي ورسول -صلى الله عليه وسلم- فاغتسلا ولم يلتفت إلى قول ابن عباس وإحدى الروايتين عن علي أن عدة المتوفى عنها الحامل أقصى الأجلين لصحة حديث سبيعة الأسلمية، ولم يلتفت إلى قول معاذ ومعاوية في توريث المسلم من الكافر لصحة الحديث المانع من التوارث بينهما، ولم يلتفت إلى قول ابن عباس في الصرف لصحة الحديث بخلافه ولا إلى قوله بإباحة لحوم الحمر كذلك، وهذا كثير جداً.
ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملاً ولا رأياً ولا قياساً ولا قول صاحب، ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعاً ويقدمونه على الحديث الصحيح.
وقد كذَّب أحمد من ادَّعى هذا الإجماع ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي أيضاً نص في رسالته الجديدة على أنَّ ما لا يعلم فيه بخلاف لا يقال له إجماع، ولفظه: "ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعاً"، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل سمعت أبي يقول: "ما يدَّعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب، من ادَّعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا ما يدريه، ولم ينته إليه، فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصم، ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا أو لم يبلغني ذلك" هذا لفظه.
ونصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلُّ عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ لتعطلت النصوص وساغ لكل من لم يعلم مخالفاً في حكم مسألة أن يقدِّم جهله بالمخالف على النصوص؛ فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده}.
فما هو رأي أهل العلم والسنة في الحدادية وفي كثرة دعاواهم للإجماعات لأهداف خطيرة وباطلة؟)).
أقول:
كأنَّ الشيخ ربيعاً حفظه الله يردُّ على أسامة بن عطايا في دعواه الإجماع على تكفير تارك عمل الجوارح.
فهل يرجع ابن عطايا عن دعوى الإجماع؟!
أم يعاند ويصر على هذه الدعوى الباطلة؟!

رابعاً: وأما تصريح أسامة بن عطايا في كلامه أعلاه: أنَّ من لم يكفِّر تارك عمل الجوارح ((فقوله قول المرجئة، ويرد عليه هذا الباطل، ولا يجوز الدفاع عن هذا القول ولا التبرير له)).
فهذه عقيدة غلاة الحدادية وأذناب الخوارج القطبية الذين ردَّ عليهم شيخنا العلامة الشيخ ربيع حفظه الله في مقالاته الأثرية السالفة الذكر.
وكلام ابن عطايا هذا يدلُّ على عدم استسلامه لأحاديث الشفاعة ولم يرفع بها رأساً، ولازم كلامه هذا تضليل أئمة السلف وجمهورهم وأئمة الدعوة الذين لا يكفِّرون تارك الصلاة وما دونها من أعمال الجوارح ولا يكفِّرون تارك العمل إيماناً وانقياداً لمضمون أحاديث الشفاعة وفضل التوحيد وغيرها، مضمون هذا القول اتهام هؤلاء الأئمة والعلماء بالإرجاء.  
وهذه العقيدة كان ابن عطايا يصرِّح بها ويصدع لما كان في أحضان الحدادية ومنتدياتهم ويتواصل معهم ويتواصى ويتآمر ضد الشيخ ربيع حفظه الله وطلابه السلفيين؛ الذين كانوا لا يثبتون الإجماع على تكفير تارك عمل الجوارح ولا يتهمون من لا يكفِّر تارك العمل بالإرجاء وينصحون السلفيين بعدم الخوض في مسألة تارك جنس العمل.
فلما باءت محاولات ابن عطايا وأصحابه من الحدادية بالفشل، وكشف أولئك الحدادية عن أقنعتهم وطعنوا في الشيخ الألباني رحمه الله أولاً وفي الشيخ ربيع حفظه الله ثانياً ثم في جمهور السلف الذي لا يكفرون تارك الصلاة تهاوناً ولا تارك العمل استسلاماً لحديث الشفاعة. ومن هؤلاء الحدادية من غلا وصرَّح باتهام الشيخ الألباني والشيخ ربيع بالإرجاء والتجهم والمجادلين عن المشركين وإخوان الطواغيت، ومنهم من غلا وحكم بكفرهما علناً، ومنهم من غلا أكثر فأكثر حتى بلغ به الغلو تكفير شيخ الإسلام ابن تيمية وطلابه وتكفير الإمام المجدد محمد عبد الوهاب وأحفاده وطلابه، ومنهم من أعلن تأييده لإمارة الدواعش الخوارج في هذا الزمان وأثنى عليهم. فردَّ على هؤلاء جميعاً شيخنا الشيخ ربيع حفظه الله ردوداً ذهبية مدعمة بالأدلة الشرعية والنقول العلمية، فكسر اللهُ عزَّ وجلَّ به شوكة هؤلاء الخوارج الغلاة البغاة، وزلزل به عروشهم وأقضَّ مضاجعهم، فما ذكروا شبهة إلا ردها ولا استدلالاً إلا نقضه بالحجة والبرهان، ولا تستروا حول إجماع مدَّعى إلا بيَّن زيفه وبطلانه، ولا تقووا بقول عالم إلا نقل لهم من كلام هذا العالم نفسه ما ينقض هذه الدعوى ونقل لهم من أقوال أئمة الدين والسنة ممن هم أعلم به وأولى بالاتباع ما يخالف قول ذلك العالم، حتى ضاقت بهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، وحاولوا إسكات الشيخ ربيع بفتاوى من هنا وهناك من بعض العلماء المعاصرين، فواجه الشيخ حفظه الله هذا بذكر أقوال السابقين واللاحقين من كبار الأئمة والعلماء ممن لا عبرة بمخالفهم كائناً من كان، فبانت هذه المسألة بوضوح، ورفع السلفييون رؤوسهم وأصبح لهم شوكة في هذه المسألة المهمة، وانكشف أمر الحدادية وخمد صوتهم وأصبحوا منبوذين من السلفيين في كل مكان، مثل عبد الرحمن الحجي وعماد فراج وبدر الدين مناصرة وأحمد الحازمي وعادل آل حمدان وعبد الله الغامدي وعبد الحميد الجهني ومن على شاكلتهم.
فلما رأى ابن عطايا أنَّ شوكة أصحابه وأخدانه انكسرت، أصبح كالشاة العائرة بين الفريقين لا تدري أيهما تتبع، ولما أحرجه أصحابه القدماء بإظهار موقفه من مقالات الشيخ ربيع حفظه الله، أصبح في موقف لا يحسد عليه، وأكثروا عليه الإلحاح فلم يظهر موقفه المخالف للشيخ ربيع حفظه الله، فكشف غلاة الحدادية أمر أسامة بن عطايا وأظهروا تناقضاته، فلم يجد ابن عطايا بداً إلا مخالفة أولئك الحدادية من حيث منتهى دعوتهم لا من حيث أصل دعوتهم!، فأنكر عليهم تكفيرهم وتبديعهم وتضليلهم وطعنهم بالعلماء السابقين واللاحقين، وردَّ عليهم بعض الردود التي هي أغلبها حكايات مما كان يعرفه عن أولئك الحدادية الذين صحبهم مدة من الزمان، وأنَّى له أن يردَّ عليهم ردوداً علمية وهو يوافقهم من حيث التأصيل والاستدلال كما تقدَّم؟! وفاقد الشيء لا يعطيه، وسيأتي مزيد من كلامه.
وقد كنتُ متابعاً لمقالات ابن عطايا وأرى تناقضاته وناقشته أكثر من مرة وناصحته في بيته حول هذه المسألة وغيرها من المسائل التي خالف فيها الأصول السلفية فلم أجد منه إلا الإصرار والجدال بالباطل وتتبع رخص بعض العلماء المعاصرين، ولم أر منه تغيراً عما كان عليه من موافقة الحدادية في دعوى الإجماع على تكفير تارك العمل وفي طريقة استدلالهم، وأما مسألة اتهام من لا يكفِّر تارك العمل بالإرجاء فلم يكن ابن عطايا يظهر ما يعتقده بوضوح في هذه المسألة، ولكنه يدندن حولها كما يدندن أولئك الغلاة.
وشيخنا العلامة الشيخ ربيع حفظه الله ذكر في مقالاته الأثرية في الرد على تشغيبات وشبهات غلاة الحدادية عدة أقول من كلام أئمة أهل السنة قديماً وحديثاً لا يكفِّرون تارك العمل، هذا بالإضافة إلى النصوص الشرعية، فكيف يزعم ابن عطايا أنَّ من لم يكفِّر تارك العمل قد وافق أهل الإرجاء؟!

¤ قال أسامة عطايا في مشاركة له (بتاريخ 25/5/2014) في مقاله [بيان شيء من حال الحدادي الممسوس المدعو بأبي عبد القدوس] المنشور في منتدياته [منابر النور] و [منتديات البيضاء]: ((غاية ما في أحاديث الشفاعة: أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ سيدخل الجنةَ قوماً بلا عملٍ من أعمالِ الجوارح، وأصرحُ شيءٍ في ذلك حديث البطاقة، وبعض ألفاظ أحاديث الشفاعة، وهذا لم يخالف فيه سني سلفي.
ولكنَّ الذي فيه النظر هو: الاستدلال بذلك على عدم "تكفير تارك الصلاة" أو "تكفير تارك عمل الجوارح".
فقد ذكر غير واحد من العلماء أنه لا حجة في حديث البطاقة ولا في أحاديث الشفاعة على عدم تكفير تارك الصلاة وتكفير تارك عمل الجوارح من باب أولى؛ لأنَّ الاستدلال بحديث البطاقة وأحاديث الشفاعة استدلال بمفهوم المخالفة على ما ثبت من المنطوق الصريح في تكفير تارك الصلاة، فلا يُقدَّم المفهوم هنا على المنطوق)).
أقول:
أول كلامه يناقض آخره!
إذا كانت أحاديث الشفاعة وحديث البطاقة تدلُّ على أنَّ الله عزَّ وجلَّ سيدخل الجنةَ قوماً من أهل التوحيد بلا عمل من أعمال الجوارح، فكيف يصح القول: لا حجة في حديث البطاقة ولا في أحاديث الشفاعة على عدم تكفير تارك الصلاة وتكفير تارك عمل الجوارح؟!
أليس هذا تناقضاً؟!
وكيف يزعم أسامة بن عطايا أنَّ حديث الشفاعة وحديث البطاقة لا حجة فيهما على عدم تكفير تارك الصلاة وعدم تكفير تارك عمل الجوارح؟!
وكيف يزعم أنَّ الاستدلال بهما من باب الاستدلال بالمفهوم لا بالمنطوق؟!
ودونكم حديث الشفاعة وحديث البطاقة، لنرى هل تصح هذه المزاعم؟!
أما حديث الشفاعة فقد قال صلى الله عليه وسلم فيه: ((حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار:
يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا مَنْ عرفتم فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقاً كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه.
ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به؛ فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً.
ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا؛ ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً.
ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحداً؛ ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً.
ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيراً.
وكان أبو سعيد الخدري يقول: إنْ لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم: "إنَّ الله لا يظلم مثقال ذرة وإنْ تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً".
فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين.
فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط؛ قد عادوا حمماً، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل؛ ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض. فقالوا: يا رسول الله كأنك كنت ترعى بالبادية.
قال: فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم، يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الله، الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه.
ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: يا ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبداً)) أخرجه مسلم.
وأما حديث البطاقة فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((يُصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فينشر له تسعة وتسعون سجلاً؛ كل سجل مد البصر، ثم يقول الله تبارك وتعالى: هل تنكر من هذا شيئا؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، ثم يقول: ألك عذر؟ ألك حسنة؟! فيهاب الرجل فيقول: لا، فيقول: بلى إنَّ لك عندنا حسنة - عند أحمد: واحدة - وإنه لا ظلم عليك اليوم؛ فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً عبده ورسوله، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم؛ فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة)) رواه ابن ماجه وأحمد وغيرهم.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله - وهو يذكر أدلة القائلين بعدم تكفير تارك الصلاة - في كتابه [الصلاة وحكم تاركها]: ((ولم يذكر في البطاقة غير الشهادة؛ ولو كان فيها غيرُها لقال: ثم تخرج له صحائف حسناته فترجح سيئاته، ويكفينا في هذا قوله: "فيخرج من النار مَنْ لم يعمل خيراً قط"!، ولو كان كافراً لكان مخلَّداً في النار غير خارج منها؛ فهذه الأحاديث وغيرها تمنع من التكفير والتخليد، وتوجب من الرجاء له ما يرجى لسائر أهل الكبائر)).
وقال العلامة ابن رجب الحنبلي رحمه الله في رسالته [التخويف من النار ص259]: ((والمراد بقوله: "لم يعملوا خيراً قط" من أعمال الجوارح؛ وإنْ كان أصل التوحيد معهم، ولهذا جاء في حديث الذي أمر أهله أن يحرقوه بعد موته بالنار إنه "لم يعمل خيراً قط غير التوحيد" خرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعاً، ومن حديث ابن مسعود موقوفاً، ويشهد لهذا ما في حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الشفاعة قال: "فأقول: يا رب ائذن لي فيمن يقول لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله" خرجاه في الصحيحين، وعند مسلم: "فيقول: ليس ذلك لك أو ليس ذلك إليك".
وهذا يدلُّ على أنَّ الذين يخرجهم الله برحمته من غير شفاعة مخلوق هم أهل كلمة التوحيد؛ الذين لم يعملوا معها خيراً قط بجوارحهم، والله أعلم)).
وقال العلامة الشيخ الألباني رحمه الله في رسالته "حكم تارك الصلاة": ((وهو أنَّ المؤمنين كما شفعهم الله في إخوانهم المصلين والصائمين وغيرهم في المرة الأولى؛ فأخرجوهم من النار بالعلامة، فلما شُفِّعوا في المرات الأخرى وأَخرجوا بشراً كثيراً؛ لم يكن فيهم مصلُّون بداهة، وإنما فيهم من الخير كل حسب إيمانه، وهذا ظاهر جداً لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى.
وعلى ذلك؛ فالحديث دليل قاطع على أنَّ تارك الصلاة - إذا مات مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله - لا يخلَّد في النار مع المشركين، ففيه دليل قوي جداً أنه داخل تحت مشيئة الله تعالى في قوله: "إنَّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء")).
وقال شيخنا العلامة الشيخ ربيع حفظه الله في رده على عادل آل حمدان المتعالم المغرور: ((فدلَّ هذا الحديث أنَّ الشفاعة ستكون لأصناف من هذه الأمة:
الصنف الأول: المصلون الصائمون القائمون بالحج، فهؤلاء مع قيامهم بهذه الأركان دخلوا النار بذنوب أوبقتهم، فمن لا يقوم بها أشد عذاباً منهم وأشد.
الصنف الثاني: من في قلبه مثقال دينار من خير، فهؤلاء خرجوا من النار بما في قلوبهم من الإيمان وأعمال القلوب، ومنها إخلاصهم في التوحيد.
والصنف الثالث: من في قلبه مثقال ذرة من خير، وهذا الخير هو الإيمان مع الإخلاص فيه.
الصنف الرابع: صنف لم يعملوا خيراً قط، يخرجهم الله من النار بما في قلوبهم من الإيمان والإخلاص وبمحض رحمة الله!، ويسميهم أهل الجنة عتقاء الله، ويقولون أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه.
وهذا النفي إنما هو "لأعمال الجوارح" لا لأعمال القلوب، ومنها إخلاص التوحيد، صرَّح بهذا كله رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يقول إلا الحق، ولا ينطق عن الهوى)).
فهذان الحديثان ينصان على أنَّ أهل التوحيد الذين لم يعملوا خيراً قط لا يخلَّدون في النار إن دخلوها، فكيف يزعم ابن عطايا أنَّ الحديثين لا حجة فيهما؟!
وقد كتب الشيخ ربيع حفظه الله مقالاً منشوراً بعنوان [الرد على من يقول: إنَّ أحاديث الشفاعة وحديث البطاقة من المتشابه مخالفين لإجماع الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين]، قال في مقدمته: ((فهناك في هذا العصر من يقول: "إنَّ أحاديث الشفاعة وحديث البطاقة من المتشابه فيرد إلى المحكم"!، وهذا قول خطير مخالف لاتفاق أهل السنة الآخذين بها، المسلِّمين بها، الرادين بها على الخوارج والمعتزلة ومن سار على نهجهم.
وفي هذا القول ما هو أدهى وأمر، وهو أنه يتضمن رمي أهل السنة وأئمتهم بأنهم من أهل الزيغ الذين قال اللهُ فيهم: "فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ"، وحاشا أهل السنة، ثم حاشاهم أن يكونوا من أهل الزيغ المتبعين للمتشابه؛ فإنَّ هذا إنما هو حال أهل الزيغ والضلال)).
ونقل الشيخ ربيع حفظه الله في مقاله السالف الذكر استسلام الأئمة على العمل بمضمون حديث الشفاعة وحديث البطاقة؛ ولو كانوا ممن يرون كفر تارك الصلاة.
ومما قاله فيه: ((وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قد يرى كفر تارك الصلاة، لكنه إذا وقف أمام أحاديث الشفاعة استسلم لها وصدع بمضمونها)).
ونقل كلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم رحمهما الله ثم علَّق قائلاً: ((تأمل كلام هذين الإمامين وغيرهما حيث لم يجعلوا حديث البطاقة من المتشابه، وكذلك أحاديث الشفاعة عند الصحابة وعلماء السنة لا نعرف أحدًا منهم أنه قال: إنها من المتشابه. بل أجمعوا هم والصحابة على القول بمضمونها.
وابن القيم رحمه الله بنى حكمه هنا على حديث أبي سعيد وأيَّده بحديث هذا الرجل الذي لم يعمل خيراً قط، وأمر أولاده أن يحرقوه...الحديث، ولا شك أنه يؤمن بأحاديث الشفاعة الأخرى والأحاديث الواردة في فضل لا إله إلا الله وفضل التوحيد، والذي نعرفه عن ابن القيم أنه كان يرى كفر تارك الصلاة، فلا يبعد أن يكون قد غيّر رأيه تسليماً منه بأحاديث الشفاعة وحديث البطاقة وأحاديث فضل التوحيد)).
وأما دعوى أسامة بن عطايا أنَّ الأحاديث الواردة في ترك الصلاة هي من باب الاستدلال بالمنطوق على تكفير تارك الصلاة، فمفاد كلامه تجهيل جمهور السلف من الأئمة الذين لا يُكفِّرون تارك الصلاة تهاوناً، وكلامهم في الكتب والمذاهب مشهور، فمنهم من حمل الـ "كفر" على الكفر العملي غير المخرج من الملة، ومنهم من حمل الترك على ترك الجحود لا ترك التهاون، ومنهم من حمله على ترك الامتناع، ومنهم من حمله على الترك المطلق، ومنهم من حمله على مطلق الترك أو من ترك صلاتي الجمع حتى يخرج وقت الثانية، وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه "الصلاة وحكم تاركها" هذه المذاهب واستدلالاتهم، فأين المنطوق في أحاديث ترك الصلاة الذي يتكلَّم عنه أسامة بن عطايا ومن كان على شاكلته؟!
بل إنَّ أقوال بعض العلماء تؤكِّد أنَّ النصوص والإجماع والآثار التي تدل على كفر تارك الصلاة ليست على ظاهرها ومنطوقها، وإنما تحمل على الممتنع لا على مجرد الترك:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في [المجموع 22/ 48 - 49]: ((ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يُقتل لم يكن في الباطن مقراً بوجوبها ولا ملتزماً بفعلها: وهذا كافر باتفاق المسلمين؛ كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلَّت عليه النصوص الصحيحة)).
وقال رحمه الله في [شرح العمدة 4/ 92]: ((فأما إذا لم يُدع ولم يَمتنع: فهذا لا يجري عليه شيء من أحكام المرتدين في شيء من الأشياء، ولهذا لم يعلم أنَّ أحداً من تاركي الصلاة تُرك غسله والصلاة عليه ودفنه مع المسلمين ولا منع ورثته ميراثه ولا إهدار دمه بسبب ذلك، مع كثرة تاركي الصلاة في كل عصر، والأمة لا تجتمع على ضلالة؛ وقد حمل بعض أصحابنا أحاديث الرجاء على هذا الضرب)).
وقال رحمه الله في [الاختيارات الفقهية ص32]: ((مَنْ كفر بترك الصلاة؛ الأصوب: أن يصير مسلماً بفعلها، مِن غير إعادة الشهادتين؛ لأنَّ كفره بالإمتناع، كإبليس)).
وقال تلميذه العلامة ابن القيم رحمه الله في رسالته [الصلاة وحكم تاركها ص38]: ((المسألة الثانية: أنه لا يُقتل حتى يُدعى إلى فعلها فيمتنع؛ فالدعاء إليها لا يستمر، ولذلك أذن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الصلاة نافلة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة حتى يخرج الوقت، ولم يأمر بقتالهم، ولم يأذن في قتلهم؛ لأنهم لم يصروا على الترك، فإذا دُعيَ فامتنع لا من عذر حتى يخرج الوقت: تحقق تركه وإصراره)).
وقال في نهاية بحثه عن حكم تارك الصلاة كما في [الصلاة وحكم تاركها ص82]: ((ومن العجب: أن يقع الشك في كفر من أصرَّ على تركها، ودُعيَ إلى فعلها على رؤوس الملأ، وهو يرى بارقة السيف على رأسه، ويشد للقتل، وعصبت عيناه، وقيل له: تصلي وإلا قتلناك؟ فيقول: اقتلوني ولا أُصلي ابداً. ومن لا يُكفِّر تارك الصلاة يقول: هذا مؤمن مسلم!!، يُغسَّل ويصلي عليه ويدفن في مقابر المسلمين، وبعضهم يقول: إنه مؤمن كامل الإيمان!!!، إيمانه كإيمانه جبريل وميكائيل؛ فلا يستحي مَنْ هذا قوله؛ من إنكاره تكفير مَنْ شهد بكفره الكتاب والسنة واتفاق الصحابة، والله الموفِّق)).
وقال الشيخ الألباني رحمه الله في رسالة "حكم تارك الصلاة": ((وعليه فإنَّ تارك الصلاة كسلاً لا يكفر عنده إلا إذا اقترن مع تركه إياها ما يدل على أنه كفر كفراً اعتقادياً؛ فهو في هذه الحالة - فقط - يكفر كفراً يخرج به من الملة كما تقدمت الإشارة بذلك مني؛ وهو ما يشعر به كلام ابن القيم في آخر هذا الفصل فإنه قال: "ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها ودعي إلى فعلها على رؤوس الملأ وهو يرى بارقة السيف على رأسه ويشد للقتل وعصبت عيناه وقيل له: تصلي وإلا قتلناك؟ فيقول: اقتلوني ولا أصلي أبداً".
قلتُ: وعلى مثل هذا المصر على الترك والامتناع عن الصلاة مع تهديد الحاكم له بالقتل يجب أن تحمل كل أدلة الفريق المكفِّر للتارك للصلاة؛ وبذلك تجتمع أدلتهم مع أدلة المخالفين ويلتقون على كلمة سواء: أنَّ مجرد الترك لا يكفر لأنه كفر عملي لا اعتقادي كما تقدم عن ابن القيم، وهذا ما فعله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ أعني أنه حمل تلك الأدلة هذا الحمل)).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في [الأخبار العلمية من الإختيارات الفقهية ص50 - 51]: ((وقوله عليه السلام: "مَنْ تركها فقد كفر" خصصناه: بالإمتناع؛ لأنَّ الحديث مقيَّد بمن ليس له عذر بالإجماع؛ وعند ذلك: لا ندري هل له عذر أم لا؟! ومعنا يقين الإسلام فلا يزال بالشك ولا بالظاهر، بل بيقين الترك المذنب على الكفر)).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أيضاً كما في [الشرح الممتع 2/ 24 - 25]: ((وعلى هذا؛ فمذهب الإمام أحمد المشهور عند أصحابه: أنَّه لا يُمكن أن يُحكم بكفر أحد ترك الصلاة في زماننا؛ لأنَّه إذا لم يدعه الإمام لم نتحقق أنَّه تركها كسلاً؛ إذ قد يكون معذوراً، لكن إذا دعاه الإمام وأصرَّ: علمنا أنَّه ليس معذوراً)).
فإذا عرفنا هذا، فليس ثمة تعارض بين الأحاديث التي تدلُّ على أنَّ ترك الصلاة كفر وبين أحاديث الشفاعة وحديث البطاقة وأحاديث فضل التوحيد، لأنَّ كفر التارك للصلاة محمولٌ على ترك الامتناع لا الترك المجرد حتى عند القائلين بكفر تارك الصلاة، وهذا الكافر ليس من أهل التوحيد فلا يخرج من النار، فليس ثمة تعارض بين الأحاديث، والجمع بين الأحاديث مقدَّم على الترجيح، فلا حاجة لمعرفة المنطوق والمفهوم.

¤ وقال أسامة بن عطايا في "رسالة خاصة" عبر [منتديات البيضاء] إلى وسام الليبي بتاريخ (24/6/2010) وهي منشورة بالصورة في "منتديات كل السلفيين" من ملف ابن عطايا: ((أما بالنسبة لكون هذه المسألة من مسائل الخلاف: فقد كنتُ أقولُ بذلك وأناظرُ عليه، واستندتُ إلى كلام بعض أهل العلم وليس من تلقاء نفسي، بل بسبب الاشتباه الذي حصل عندي، وقد تراجعتُ عنه كما سيأتي.
لكن هل تعلم أنَّ الشيخ ربيعاً المدخلي يقول بهذا القول وما زال عليه، وقد جرى بيني وبينه اتصال قبل نحو عشرة أيام يريد مني أن أقول بهذا القول، وأنَّ عدم تكفير تارك العمل مسألة خلافية ومن أقوال أهل السنة، مع أني أبيتُ على الشيخ ربيع ذلك، ووعدتُه بزيارته لمناقشة هذا الأمر معه)).
أقول:
أسامة بن عطايا في مسألة الإجماع على تكفير تارك عمل الجوارح مضطرب، فقد كان ينفي هذا الإجماع أولاً ويشنِّع على مَنْ يدَّعيه، ثم بعد اختلاطه بغلاة الحدادية ومنتدياتهم أصبح يصرِّح بهذا الإجماع ويُشنِّع على من ينفيه، والسبب هو الاكتفاء بكلام بعض المعاصرين وعدم الرجوع إلى كلام الأئمة السابقين وعدم تحرير المسألة تحريراً علمياً.
ومقارنة ابن عطايا نفسه بالشيخ ربيع حفظه الله مقارنة فاسدة، فالشيخ ربيع حفظه الله أنكر هذا الإجماع من قبل ولم يزل على هذا الإنكار، فكيف يقاس المضطرب على الراسخ؟!
وكون أسامة بن عطايا يأبى نصيحة الشيخ ربيع حفظه الله التي تدل على أمرين:
الأول: أنَّ مسألة تكفير تارك عمل الجوارح مسألة خلافية.
الثاني: أنَّ من لم يكفِّر تارك عمل الجوارح قوله من أقوال أهل السنة.
فهذا يعني أنَّ أسامة بن عطايا يدَّعي الإجماع على تكفير تارك العمل أولاً وأنَّ من لم يكفِّره فقوله من أقوال أهل الإرجاء.
وهذا يعني أيضاً أنَّ ابن عطايا كان في الظاهر مع الشيخ ربيع حفظه الله ضد فالح الحربي وحزبه الأثيم وضد الغامدي والجهني وعماد فراج وبدر الدين مناصرة، لكنه في الحقيقة على مذهبهم في مسألة "تارك العمل"، بل كان يحاول مع الغامدي والجهني وعماد فراج المحاولات لإقناع الشيخ ربيع بهذا المذهب الرديء، ولكنَّ الشيخ ربيعاً بصيرٌ به وبأمثاله من أول أيامه.
ثم لماذا لم يقبل ابن عطايا نصيحة الشيخ ربيع؟!
لم يذكر لنا السبب هنا، لكنَّ السبب الرئيسي هو مصاحبة غلاة الحدادية والتناصر معهم في نصرة القول الباطل والجدال عنه.

¤ قال أسامة بن عطايا كما في مقال [توجيه الشيخ العتيبي لكلام الإمام الألباني عند قوله "أنَّ العمل شرط كمال"] المنشور في منابر النور بتاريخ (2/12/2010): ((والذي أرى أنَّ الشيخ رحمه الله أخطأ فيه: هو استدلاله بحديث الشفاعة والذي فيه إخراج أناس من النار لم يعملوا خيراً قط، وبحديث حذيفة عن نجاة من جاء بالشهادتين دون صلاة ولا صيام ولا زكاة، وحديث صاحب البطاقة، فإنَّ هذه الأحاديث لا تدل على عدم كفر تارك الصلاة أو تارك جميع العمل لأنها أحاديث خاصة، وبعضها في زمن لم يبلغهم العلم كمن ماتوا قبل فرض الصلاة، فهذا هو المقدار الذي أراه أخطأ فيه الشيخ، مع التنبه إلى أنه يكفر بترك العمل في بعض الأحوال، وأنه يقول بأنَّ العمل من الإيمان، وأنَّ الكفر يكون بالقول والعمل والاعتقاد)).
أقول:
كون هذه الأحاديث أحاديث خاصة يوجب تقديمها على الأحاديث العامة في كفر تارك الصلاة، لأنَّ حمل العام على الخاص متعيَّن.
وإن كان أسامة بن عطايا يقصد بالخاصة أي أنَّ الأحاديث تحمل على من نطق بالشهادتين ومات ولم يتمكَّن من العمل بجوارحه شيئاً، فجوابه من وجهين:
الأول: كيف يُعذَّب بالنار ويكون من الجهنميين - وهم آخر أهل الجنة دخولاً بالشفاعة ورحمة أرحم الراحمين - من نطق بالشهادتين ومات، أليس هذا من خير أهل الإيمان منزلة يوم القيامة؟ فكيف تعدونه من أدناهم؟!
الثاني: كيف تمكَّن صاحب البطاقة من فعل السيئات في تسع وتسعين سجلاً من الذنوب مد البصر، ولم يتمكَّن من فعل حسنة واحدة زائدة عن التوحيد؟!
وبمثل هذه التأويلات الباطلة تسلَّط بعض الناس على النصوص الشرعية وأبطلوا دلالاتها وأعرضوا عن مضمونها، وقد تقدَّم إنكار الشيخ الألباني رحمه الله على من حمل هذه الأحاديث على من مات ولم يتمكَّن من العمل، وشبَّه من يتأوَّل هذه النصوص بمثل هذه التأويلات بالمعطِّلة للصفات الذين أوَّلوا الصفات بأهوائهم الفاسدة وآرائهم الباطلة بلا حجة ولا برهان.
وقال شيخنا الشيخ ربيع حفظه الله كما في [مضامين المقالات الأثرية في الرد على شبهات وتشغيبات الحدادية]: ((وما رأيتُ أحداً من أئمة الإسلام يخالف هذه الأحاديث أو يتأوَّل قوله صلى الله عليه وسلم: "لم يعملوا خيرا قط" بأنَّ هؤلاء معذورون لم يتمكنوا من العمل!!.
وإذا كانوا معذورين لم يتمكَّنوا من العمل؛ فكيف يدخلهم الله النار ويعذبهم العذاب الشديد؟! وهو جلَّ وعلا يقول: "لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا"، واللهُ الرؤوف الرحيم يُعلِّم عباده أن يقولوا: "رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا"، ويُعلِّم ربنا - أرحم الراحمين - عباده أن يقولوا: "رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ".
إنَّ هؤلاء الذين لم يعملوا خيراً قط لمن أشد المجرمين؛ فعذَّبهم اللهُ على إجرامهم المتعمد العذاب الشديد؛ لأنهم متمكنون من العمل، ومتمكنون منه طول حياتهم، أرجو ممن يتأوَّل هذا التأويل أن يعلن تراجعه عنه؛ لأنه يخالف القرآن والسنة)).
وأما دعوى ابن عطايا أنَّ بعض هذه الأحاديث في زمن لم يبلغهم العلم بفرضية الصلاة!.
فالجواب عنه:
كيف يعذَّبون في النار مع عدم علمهم بهذه الفريضة؛ والله عزَّ وجلَّ يقول: "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً "؟!
وإن كان يقصد أسامة بن عطايا حديث حذيفة "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب..."، فالحديث يحتمل أنهم لم يعلموا بفرضية هذه الأركان فتنجيهم كلمة التوحيد ولا يدخلون النار، ويحتمل أنهم يعلمون بفرضيتها فيدخلون النار ثم تنجيهم كلمة التوحيد من الخلود فيها، ويحتمل غير ذلك.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله معلِّقاً على حديث حذيفة كما في [النهاية في الفتن والملاحم ص11]: ((وهذا دال على أنَّ العلم قد يرفع من الناس في آخر الزمان حتى إنَّ القرآن يسري عليه النسيان في المصاحف والصدور ويبقى الناس بلا علم، وإنما الشيخ الكبير والعجوز المسنة يخبران بأنهم أدركوا الناس وهم يقولون لا إله إلا الله، فهم يقولونها على وجه التقريب إلى الله عز وجل، فهي نافعة لهم وإنْ لم يكن عندهم من العمل الصالح والعلم النافع غيرها.
وقوله: "تنجيهم من النار":
- يحتمل أن يكون المراد أنها تدفع عنهم دخول النار بالكلية؛ ويكون فرضهم القول المجرد، لعدم تكليفهم بالأفعال التي لم يخاطبوا بها والله تعالى أعلم.
- ويحتمل أن يكون المعنى أنها تنجيهم من النار بعد دخولها؛ وعلى هذا فيحتمل أن يكونوا من المراد بقوله تعالى في الحديث القدسي: "وعزَّتي وجلالِي لأخْرِجَنَّ من النّارِ مَنْ قَال يَوماً مِنَ الدّهرِ لاَ إِلهَ إلاَّ اللَّه"، كما سيأتي بيانه في مقامات الشفاعة.
- ويحتمل أن يكون أولئك قوماً آخرين، والله أعلم)).
وأما قول ابن عطايا أعلاه حكاية عن مذهب الإمام الألباني رحمه الله: ((مع التنبه إلى أنه يُكفِّر بترك العمل في بعض الأحوال)).
فمراده بهذا تكفير تارك الصلاة الممتنع عن أدائها حتى يقتل، وهذا لا يعدُّ تركاً مجرداً، وإنما هذا الترك بهذه الصورة يدل على الجحود أو الاستكبار المضاد للإيمان بالكلية، وليس هذا محل الخلاف في حكم تارك عمل الجوارح، فمحاولة ابن عطايا أن يحمل مذهب الألباني رحمه الله على تكفير تارك عمل الجوارح لكونه يكفِّر تارك الصلاة في هذه الحالة يعدُّ هذا تلبيساً، فلا يغتر السلفي بمثل هذا ولا ينخدع.
ثم إنَّ من ترك عملاً واحداً من أعمال الجوارح جاحداً له مع علمه بوجوبه أو فعل كبيرة من الكبائر مع علمه بتحريمها: يكفر بلا خلاف بين الأمة، فهذه الصور لا تدخل في تارك عمل الجوارح كما لا يخفى على البصير.

¤ وقال أسامة بن عطايا في [توجيه الشيخ العتيبي لكلام الإمام الألباني عند قوله "أنَّ العمل شرط كمال"] أيضاً: ((3- قولك -بارك الله فيك-: [هل قول القائل: بأنَّ الإيمان قول وعمل واعتقاد ولكن الايمان يصح "ولو لم يعمل عملاً قط بجوارحه"؛ هل هذا القول هو قول المرجئة؟ أم أنَّ هذا الكلام ليس بصحيح - وفقني الله وإياك إلي القول المليح !-؟].
الجواب: كنتُ كتبتُ جواباً ثُمَّ محوتُه لأَنَّ بَعْضَ النَّاس يترك الكلامَ الصريح وَيَأتِي للكلام الَّذِي يظن أَنَّ فِيْهِ إدانة للقائل فيجعل مِنْهُ حدثاً وحديثاً والله المستعان.
ولكني سأجيب بطريقة أخرى!:
سؤال: هل يتعارض قول مَنْ يَقُول –مُعَمِّماً- : "لا يصح الايمان بدون عملٍ مِنْ أعمالِ الجوارح" مع حديث الصبي اليهودي الذي أسلم على فراش الموت وَلَمْ يعمل شَيْئاً منَ الجوارح؟
فهل أنت تقول: بإنَّ إيمان هَذَا الصبي لا يصح أم تقول بصحته؟
فإذا صححته، ألا يتعارض مَعَ التعميم؟
وهل يحتاج ذَلِكَ التعميم إلَى ضبطٍ وتخصيص حَتَّى تَخْرُجُ الحالات الاستثنائية والخاصة، كأن يقال: [من دخل في الإسلام وهو عارف بالواجبات ثم استمر تاركاً للعمل واكتفى بالنطق والاعتقاد فإنه كافر زنديق، فالعمل ركن من أركان الإيمان ودعامة من دعائمه العظام، وتارك المباني الأربعة - الصلاة والصوم والزكاة والحج - كافر مرتد، فتارك عمل الجوارح مع العلم والقدرة كافر مرتد]؟، فما بَيْنَ المعكوفين هُوَ مَا أعتقدُه وأدينُ الله بِهِ.
ولا أقول بالأقوال الحادثة الَّتِي تشمل الْحَقَّ والباطلَ أَوْ تبُطل حقاً أَوْ تُحق باطلاً.
4- وقولك : [وهل مسألة تكفير تارك جنس أعمال الجوراح: هل هي مسألة خلافية بين أهل السنة الجماعة !!؟].
بالتقرير السابق لا أظنُّ سنياً يقول: بأنه لا يحصل الكفر بترك أي عمل من أعمال الجوارح في جميع الأحوال، فمن يقول بأنَّ العمل الظاهر من الإيمان ومع ذلك يقول: إنه لا يقع الكفر بترك بعض أعمال الجوارح ولا في أي حال من الأحوال فهو من المرجئة، وشيخنا الألباني رحمه الله بريء البراءة التامة من هذا القول الرديء)).
أقول:
كلامه هذه اشتمل على عدة أمور:
الأول: لماذا لا يصرِّح أسامة بن عطايا بمذهبه الذي يدين الله عزَّ وجلَّ به ويعلن ذلك وينشره؟!
لماذا هذا التردد في الكتابة والمحو وفي انتقاء طريقة الجواب؟!
هل سبب ذلك اضطراب الفهم في هذه المسألة؟
أم الخشية من إظهار هذه العقيدة الحدادية في وقت انكسرت فيه شوكتهم؛ بفضل الله عزَّ وجلَّ الذي وفَّق شيخنا الشيخ ربيعاً حفظه الله بردوده في المقالات الأثرية؟!
الثاني: إلزامك يا ابن عطايا لمحاورك من الحدادية - الذي لا يقول بصحة الإيمان إلا مع عمل الجوارح - بحديث الصبي اليهودي الذي أسلم ومات، إلزام فاسد، لأنك حددتَ في كلامك نقطة الخلاف في (العلم والقدرة)، وهذا لم يتمكَّن من العمل، فلا يدخل في موضوع الخلاف، فتأمَّل ولا تتعجَّل.
الثالث: ما معنى اشتراطك (ثم استمر تاركاً للعمل)؟
لو نطق بالشهادتين وعمل أعمالاً كثيرة بجوارحه ثم تركها واستمر تاركاً للعمل حتى مات؛ هل هو كافر زنديق أيضاً؟!
ولو نطق بالشهادتين ولم يعمل شيئاً قط بجوارحه إلا عملاً واحداً ثم تركه واستمر تاركاً للعمل حتى مات؛ هل هو كافر زنديق؟!
وهل هاتان الصورتان تدخلان في "لم يعملوا خيراً قط"؟!
ولماذا حددتَ الأعمال بـ (الواجبات)؟!
يعني لو فعل بعض المستحبات بجوارحه ألا يكون عاملاً بجوارحه؟!
وقد أخرج أبو داود وابن حبان وحسنه الألباني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نزع رجل لم يعمل خيراً قط غصن شوك عن الطريق؛ إما كان في شجرة فقطع، وإما كان موضوعاً فأماطه، فشكر الله عز وجل له، فأدخله الجنة".
فهذا الرجل لم يعمل خيراً قط بجوارحه إلا هذا العمل اليسير، ثم استمر تاركاً للعمل حتى مات، فهذا على شرط ابن عطايا لا يدخل الجنة بل هو كافر زنديق؟!!
الرابع: كون الشيء ركناً لا يلزم منه تكفير تاركه، فالزكاة والصيام والحج من أركان الإسلام ولا يقول ابن عطايا بكفر من تركها تهاوناً.
والركن يأتي بمعنيين:
الأول: لا يقوم الشيء ولا يصح إلا به.
والثاني: لا يكمل الشيء ولا يتم إلا به.
قال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله في "معارج القبول": ((الركن في اللغة: الجانب الأقوى؛ وهو بحسب ما يطلق فيه: كركن البناء وركن القوم ونحو ذلك.
- فمن الأركان ما لا يتم البناء إلا به.
- ومنها ما لا يقوم بالكلية إلا به.
وإنما قيل لهذه الخمسة الأمور أركان ودعائم لقوله صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس"، فشبَّهه بالبنيان المركب على خمس دعائم، وهذا الركن [الشهادتان] هو أصل الأركان الباقية، ولهذا قلنا الأساس الذي لا يقوم البناء إلا عليه ولا يمكن إلا به ولا يحصل بدونه)).
ومعلوم أنَّ أركان الإيمان ثلاثة أو أربعة: اعتقاد القلب (قوله وعمله) وقول اللسان وعمل الجوارح، فاعتقاد القلب وقول اللسان من الأركان الذي لا يصح الإيمان إلا بهما، وأما عمل الجوارح فمن الأركان الذي لا يكمل الإيمان إلا به.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في كتاب "الإيمان": ((فمن سواء أجزائه:
- ما إذا ذهب نقص عن الأكمل.
- ومنه ما نقص عن الكمال وهو ترك الواجبات أو فعل المحرمات.
- ومنه ما نقص ركنه وهو ترك الاعتقاد والقول؛ الذي يزعم المرجئة والجهمية أنه مسمى فقط، وبهذا تزول شبهات الفرق، وأصله القلب، وكماله العمل الظاهر)).
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في "عدة الصابرين": ((أنَّ الايمان قول وعمل، والقول قول القلب واللسان والعمل عمل القلب والجوارح، وبيان ذلك:
- أنَّ من عرف الله بقلبه ولم يقر بلسانه لم يكن مؤمناً؛ كما قال عن قوم فرعون: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم"، وكما قال عن قوم عاد وقوم صالح: "وعاداً وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين"، وقال موسى لفرعون: "لقد علمت ما أنزل هؤلاء الا رب السموات والارض بصائر".
فهؤلاء حصل قول القلب وهو المعرفة والعلم ولم يكونوا بذلك مؤمنين.
- وكذلك من قال بلسانه ما ليس في قلبه لم يكن بذلك مؤمناً بل كان من المنافقين.
- وكذلك من عرف بقلبه وأقر بلسانه لم يكن بمجرد ذلك مؤمناً حتى يأتى بعمل القلب من الحب والبغض والموالاة والمعاداة؛ فيحب الله ورسوله، ويوالى أولياء الله، ويعادى أعداءه، ويستسلم بقلبه لله وحده، وينقاد لمتابعة رسوله وطاعته والتزام شريعته ظاهراً وباطناً.
وإذا فعل ذلك لم يكفِ في كمال إيمانه حتى يفعل ما أمر به.
فهذه الأركان الأربعة هى أركان الايمان التى قام عليها بناؤه)).
الخامس: تكفير أسامة بن عطايا لتارك الفرائض الأربع وتارك أعمال الجوارح مخالف لأحاديث الشفاعة وحديث البطاقة وأحاديث فضل التوحيد، ومخالف لما كان عليه جمهور السلف الصالح، وكان الواجب عليه أن يستسلم لهذه الأحاديث ولا يعرض عنها.
ولو أنه قال بكفر هؤلاء وسكت لهان الخطب، أما أن يقول بعدها: "ولا أقول بالأقوال الحادثة الَّتِي تشمل الْحَقَّ والباطلَ أَوْ تبُطل حقاً أَوْ تُحق باطلاً"، فهذا تعدٍّ صريح على الأحاديث المستفيضة والآثار السلفية وأقوال الأئمة المشهورة، فهل عدم تكفير تارك الفرائض الأربع أو عدم تارك عمل الجوارح من الأقوال الحادثة التي تشتمل الحق والباطل؟! وهل من دان بهذا القول يكون قد أبطل حقاً أو أحق باطلاً؟!
ما لك أسأمة بن عطايا كيف تحكم؟!    
السادس: أما محاولة ابن عطايا صرف الخلاف في الموضوع من مسألة تكفير تارك عمل الجوارح المختلف فيها إلى مسألة حصول الكفر بترك بعض الأعمال في بعض الحالات المتفق عليها مثل: من ترك الصلاة وامتنع من فعلها حتى قتل.
فهذه حيدة منه، وكان الواجب عليه البيان وأن يصدع بعقيدته لا أن يتحايل ويُلبِّس بهذه الصورة في جوابه، وقد كان أسامة بن عطايا من قبل يصرِّح بأنَّ من لم يكفِّر تارك عمل الجوارح فقد وافق قول المرجئة كما تقدَّم كلامه؛ وهذا لما كان للحدادية شوكة، فلما انكسرت شوكتهم أصبح يجيب بهذا الجواب الذي يتلاعب به على عقول السذَّج من الناس، والله المستعان.
ومعلوم أنَّ من امتنع عن فعل الصلاة حتى قتل يكون كافراً ولو فعل قبل ذلك كل الواجبات وترك كل المحرمات، ومثل هذا لا يصدق عليه وصف "تارك عمل الجوارح" ولا "لم يعمل خيراً قط"، فهو خارج عن موضع النزاع، ومثله مثل من ترك العمل بالتوحيد أو ترك الحكم بغير ما أنزل الله لأنه يعتقد أنه لا يصلح في هذا الزمان، أو كدوس المصحف وسبِّ الدِّين، وغير ذلك من مبطلات الإيمان ونواقض الإسلام.
وإنما محل النزاع بين السلفية والحدادية هو تارك عمل الجوارح الترك المجرد لا الترك المقترن بالجحود أو الاستكبار أو ما يضاد إيمان القلب بالكلية، فهذا محل اتفاق، فلا تغرِّد يا ابن عطايا خارج السرب، ولا تكن كالشاة العائرة بين الفريقين.

¤ وقال ابن عطايا في "المقال السابق" أيضاً: ((ثم أقول: حسب فهمي لا يلزم من جعل العمل من كمال الإيمان أن يكون مصححاً للإيمان بدونه فلا تلازم؛ لأنَّ كلامه عن العمل على سبيل الإجمال دون تطرق إلى كفر تاركه لأنها مسألة أخرى، وقد قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية رحمه الله - كما في مجموع الفتاوى(7/637) - عن الإيمان: "وأصله القلب، وكماله العمل الظاهر، بخلاف الإسلام فإنَّ أصله الظاهر، وكماله القلب"، فالتعبير بأنَّ العمل لازمٌ لكمال الإيمان مَعَ القول بأنَّ العَمَل من الإيمان لا يدل على أنه يكون مؤمناً بدون عمل في جميع الأحوال)).
أقول:
وهذه سابقة خطيرة من أسامة بن عطايا، وسببها كما صرَّح هنا استقلاله بفهمه وعدم رجوعه إلى فهم السلف الصالح!.
وملخص كلامه هنا: أنَّ كون عمل الجوارح من كمال الإيمان لا يلزم منه عدم تكفير التارك لها، لأنَّ تارك الكمال قد لا يصح إيمانه، فلا تلازم بين كون العمل الظاهر من كمال الإيمان وبين تكفير تارك عمل الجوارح!.
وهذا يعني أنَّ تارك كمال الإيمان قد يكون كافراً وقد لا يكون، وفي الحالة الأولى يكون أصل الإيمان وكماله شيئاً واحداً؛ إذا زال الكمال زال الأصل!، وإذا لم تكن هذه عقيدة الخوارج؛ فلا ندري ما هي؟!
ومعلوم أنَّ أهل السنة يقسمون الإيمان: إلى أصل وكمال، والكمال: كمال الواجب وكمال المستحب، والإيمان لا ينفى بنفي الكمال المستحب وإنما ينفى بنفي الأصل أو كماله الواجب، لكن إذا زال الأصل انتفى الإيمان بالكلية، وإذا زال الكمال الواجب انتفى اسم الإيمان وكماله وحقيقته ولم يزل أصله.
وكمال الإيمان الواجب والمستحب هو فعل المأمور وترك المحظور، ومن قال بزوال الإيمان بالكلية إذا زال عنه كماله، فهذا يقرر عقيدة الخوارج الأولى.
وقد نفى صلى الله عليه وسلم في أحاديث مشهورة الإيمان عن فاعل الكبيرة، وحمل أهل السنة ذلك على نفي كمال الإيمان الواجب، بينما حملته المرجئة على نفي كمال المستحب، وحملته الخوارج على نفي أصل الإيمان.  
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في [المجموع 28/ 72]: ((وفي رواية: "مَنْ غشني فليس مني" فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ الغاش ليس بداخل في مطلق اسم أهل الدين والإيمان كما قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"، فسلبه حقيقة الإيمان التي بها يستحق حصول الثواب والنجاة من العقاب؛ وإنْ كان معه أصل الإيمان الذي يفارق به الكفار ويخرج به من النار)).
وقال في [المجموع 7/ 525]: ((ومن هنا قيل: إنَّ الفاسق الملي يجوز أن يقال: هو مؤمن باعتبار، ويجوز أن يقال: ليس مؤمناً باعتبار، وبهذا تبين أنَّ الرجل قد يكون مسلماً لا مؤمناً ولا منافقاً مطلقاً؛ بل يكون معه أصل الإيمان دون حقيقته الواجبة)).
وقال في [المجموع 15/ 282 - 283]: ((والإيمان اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، والكفر اسم جامع لكل ما يبغضه الله وينهى عنه؛ وإنْ كان لا يكفر العبد إذا كان معه أصل الإيمان وبعض فروع الكفر من المعاصي، كما لا يكون مؤمناً إذا كان معه أصل الكفر وبعض فروع الإيمان)).
وقال في [المجموع 7/ 242]: ((وحقيقته: أنَّ من لم يكن من المؤمنين حقاً يقال: فيه أنه مسلم ومعه إيمان يمنعه الخلود في النار؛ وهذا متفق عليه بين أهل السنة)).
وقد نقل الحافظ ابن عبد الهادي رحمه الله في كتابه [العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ص114] مناظرة ابن تيمية لابن المرحل؛ وفيها أنَّ شيخ الإسلام رحمه الله قال معلِّقاً بعد المناظرة: ((قال أهل السنة: إنَّ مَنْ ترك فروع الإيمان لا يكون كافراً حتى يترك أصل الإيمان؛ وهو الاعتقاد، ولا يلزم من زوال فروع الحقيقة التي هي ذات شعب وأجزاء زوال اسمها، كالإنسان إذا قطعت يده أو الشجرة إذا قطع بعض فروعها)).
 وقال رحمه الله في معرض المقارنة بين مذهب مرجئة الفقهاء وبين أهل السنة والجماعة حول "عمل الجوارح" كما في [المجموع 7/ 297]: ((فهم يقولون: إنَّ الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقاً للذم والعقاب كما تقوله الجماعة)).
فكيف يزعم أسامة بن عطايا أنَّ تارك كمال الإيمان يكون كافراً في حالات معينة؟!
وأما استدلال ابن عطايا على أنَّ ترك الكمال يكون كفراً بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية "وأصله القلب، وكماله العمل الظاهر، بخلاف الإسلام فإنَّ أصله الظاهر، وكماله القلب"، فهذا يذكرني باستدلال عصام السناني في حاشية كتابه [أقوال ذوي العرفان في أنَّ أعمال الجوارح داخلة في مسمَّى الإيمان] ولعلَّ ابن عطايا أخذها منه: ((ومشكلة هؤلاء ظنهم: أنَّ الكمال في كلام الشيخ هنا ما لا يكفر بتركه!، وآخر عبارة الشيخ تنقض هذا الفهم عند قوله عن الإسلام: "فإنَّ أصله الظاهر وكماله القلب"، إذ لازم ذلك أن يحكم بالإسلام لمجرد العمل الظاهر؛ ولو تخلَّف عمل القلب الذي هو كمال؛ وهذا هو النفاق بعينه))، وقد رددتُ عليه بمقال مستقل في شبكة سحاب، وملخص ردي هناك هو:
غَفَلَ هؤلاء عما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نفسه قبل صفحة من كلامه الذي استدلوا به، فشيخ الإسلام رحمه الله يتكلَّم عن "لفظ الإسلام" و "لفظ الإيمان"؛ فعند كلامه عن "لفظ الإسلام" قال كما في [المجموع 7/636]:
((وله معنيان:
أحدهما: الدين المشترك؛ وهو عبادة الله وحده لا شريك له الذي بعث به جميع الأنبياء؛ كما دلَّ على إتحاد دينهم نصوص الكتاب والسنة.
والثاني: ما اختص به محمد - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - من الدين والشرعة والمنهاج؛ وهو الشريعة والطريقة والحقيقة.
وله مرتبتان:
أحدهما: الظاهر من القول والعمل؛ وهي المباني الخمس.
والثاني: أن يكون ذلك الظاهر مطابقاً للباطن.
فبالتفسير الأول جاءت الآيتان فى كتاب الله والحديثان عن رسول الله؛ وهو أعم من الايمان؛ فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً.
وبالتفسير الثاني يقال: "إنَّ الدين عند الله الاسلام"، وقوله: "وذلك دين القيمة" وقوله: "آمركم بالإيمان بالله" وفسره بخصال الإسلام، وعلى هذا التفسير: فالإيمان التام والدين والاسلام سواء؛ وهو الذي لم يفهم المعتزلة غيره.
وقد يراد به معنى ثالث: هو كماله؛ وهو قوله: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" فيكون أسلمَ غيره أي جعله سالماً منه)).
وهذا يعني أنَّ الإسلام له مرتبتان، الأولى وهي الأصل: القول والعمل بالشرائع الظاهرة، وبه يحكم على الرجل بالإسلام، والثانية وهي الأكمل: وهو أن يكون الظاهر مطابقاً للباطن، ويكون مسلماً مؤمناً سالماً من النفاق الأكبر.
والسؤال الذي نطرحه على السناني وابن عطايا: هل المنافق - الذي يُظهر الإسلام لكنه يبطن الكفر - يُحكم عليه في الدنيا بالإسلام أم بالكفر؟!
فإن قالوا: بالكفر، وهذا ظاهر كلامهم واستدلالهم أعلاه، فهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة.
وإن قالوا: بالإسلام، فهذا ينقض استدلالهم بكلام شيخ الإسلام رحمه الله الذي عدَّ ما في القلب هو كمال الإسلام، فزواله لا يزول به الإسلام في الظاهر، وكذلك زوال كمال الإيمان لا يزول به الإيمان، وهو المطلوب.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما في [المجموع 7/241-242]: ((فإنَّ الخطاب بـ [يا أيها الذين آمنوا]:
أولاً يدخل فيه من أظهر الايمان وإن كان منافقاً فى الباطن؛ يدخل فيه في الظاهر؛ فكيف لا يدخل فيه من لم يكن منافقاً وإن لم يكن من المؤمنين حقاً؟!
وحقيقته: أنَّ من لم يكن من المؤمنين حقاً يقال فيه: أنه مسلم ومعه إيمان يمنعه الخلود فى النار؛ وهذا متفق عليه بين أهل السنة.
لكن هل يطلق عليه اسم الإيمان؟ هذا هو الذى تنازعوا فيه:
فقيل: يقال مسلم ولا يقال مؤمن.
وقيل: بل يقال مؤمن.
والتحقيق: أن يقال أنه مؤمن ناقص الايمان، مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ولا يعطى اسم الإيمان المطلق؛ فإنَّ الكتاب والسنة نفيا عنه الإسم المطلق، واسم الايمان يتناوله فيما أمر الله به ورسوله؛ لانَّ ذلك ايجاب عليه وتحريم عليه، وهو لازم له كما يلزمه غيره، وإنما الكلام فى اسم المدح المطلق.
وعلى هذا فالخطاب بالإيمان يدخل فيه ثلاث طوائف:
يدخل فيه: المؤمن حقاً.
ويدخل فيه: المنافق فى أحكامه الظاهرة وإن كانوا فى الآخرة فى الدرك الأسفل من النار، وهو فى الباطن ينفى عنه الإسلام والإيمان، وفى الظاهر يثبت له الإسلام والإيمان الظاهر.
ويدخل فيه: الذين أسلموا وإن لم تدخل حقيقة الايمان فى قلوبهم، لكن معهم جزء من الإيمان والإسلام يثابون عليه، ثم قد يكونون مفرطين فيما فرض عليهم، وليس معهم من الكبائر ما يعاقبون عليه كأهل الكبائر، لكن يعاقبون على ترك المفروضات؛ وهؤلاء كالأعراب المذكورين فى الآية وغيرهم، فانهم قالوا: آمنا، من غير قيام منهم بما أمروا به باطناً وظاهراً، فلا دخلت حقيقة الإيمان فى قلوبهم ولا جاهدوا فى سبيل الله، وقد كان دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد.
وقد يكونون من أهل الكبائر المعرضين للوعيد؛ كالذين يصلون ويزكون ويجاهدون ويأتون الكبائر، وهؤلاء لا يخرجون من الاسلام؛ بل هم مسلمون؛ ولكن بينهم نزاع لفظي: هل يقال أنهم مؤمنون؟ كما سنذكره إن شاء الله، وأما الخوارج و المعتزلة: فيخرجونهم من إسم الإيمان والإسلام؛ فإنَّ الإيمان والإسلام عندهم واحد، فاذا خرجوا عندهم من الإيمان خرجوا من الإسلام؛ لكن الخوارج تقول: هم كفار، والمعتزلة تقول: لا مسلمون ولا كفار ينزلونهم منزلة بين المنزلتين)).
وقال أيضاً كما في المجموع [3/362-363]: ((فالإسلام: هو الإستسلام لله والإنقياد له ظاهراً وباطناً؛ فهذا هو دين الإسلام الذي إرتضاه الله؛ كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة.
ومن أسلم بظاهره دون باطنه: فهو منافق؛ يقبل ظاهره، فإنه: لم يؤمر أن يشق عن قلوب الناس.
وأيضاً فاذا كان الإسلام يتناول التصديق الباطن الذى هو أصل الإيمان: فيلزم أن يكون كل مسلم مؤمناً وهو خلاف ما نقل عن الجمهور!!.
ولكن لابد فى الإسلام من تصديق يحصل به أصل الإيمان؛ وإلا لم يثب عليه، فيكون حينئذ مسلماً مؤمناً، فلابد أن يتبين المسلم الذى ليس بمؤمن، ودخوله فى الإسلام)).
وقال [7/305]: ((والإسلام الظاهر يدخل فيه: المنافقون)).
وقال [7/210]: ((لأنَّ الإيمان الظاهر الذى تجرى عليه الأحكام فى الدنيا لا يستلزم الإيمان فى الباطن الذى يكون صاحبه من أهل السعادة فى الآخرة؛ فإنَّ المنافقين الذين قالوا: آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين؛ هم فى الظاهر مؤمنون؛ يصلون مع الناس ويصومون ويحجون ويغزون، والمسلمون يناكحونهم ويوارثونهم؛ كما كان المنافقون على عهد رسول الله ولم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم فى المنافقين بحكم الكفار المظهرين للكفر لا فى مناكحتهم ولا موارثتهم ولا نحو ذلك)).
فهل غابت هذه الحقيقة السلفية الثابتة عن السناني وابن عطايا؟
أم هو الاضطراب ومدافعة الحق بالأفهام الباطلة؟!

¤ ولما سألتُ أسامة بن عطايا بتاريخ ( ١٨‏/١‏/٢٠١٦ بالإفرنجي) عبر "الواتس آب" عن أقواله المتقدمة بعد ردود الشيخ ربيع حفظه الله على الحدادية، هل لا زال على هذه الأقوال؟
كان جوابه: ((هذه المواضيع الخطيرة لا أتكلَّم فيها اليوم!، لما سببته من فتنةٍ وحملٍ للكلام على غير وجهه ودفعه في اتجاه معين.
والذي أعتقده: أنَّ تارك عمل الجوارح بالكلية كافر مرتد كما قرره الشيخ ربيع في رسالته حول جنس العمل.
وأنَّ من عُرِضَ على السيف ليصلي فلم يصل، وفضَّل القتل على الصلاة: فهذا مرتد، ومن زعم إسلامه فقد دخلت عليه شبهة المرجئة كما ذكره شيخ الإسلام وابن القيم والشيخ الألباني.
وهذا يقتضي أنَّ لترك أعمال الجوارح علاقة بالإيمان، وكذلك بالإرجاء في بعض الحالات كما في الحالة السابقة.
وما ذكرتُه من كلامٍ أعمُّ من هذا، أو فيه إجمال: مقصودي فيه نحو هذا التفصيل.
واعلم يقيناً أنَّ من علماء السنة الأكابر من يعتقد إجماع السلف على كفر تارك عمل الجوارح وعلى اتهام من لا يقول بذلك بموافقة المرجئة، ولا نجعل هذه القضية سبباً للطعن في أولئك العلماء؛ كالشيخ صالح الفوزان، ولا نجعل هذه القضية سبباً للطعن في العلماء الذين يعتقدون وجودَ الخلاف أو يرجِّحون بالدليل عدمَ كفر تارك عمل الجوارح الذي عنده أصل الإيمان؛ فهذا مسلك الحدادية البعداء البغضاء، والله أعلم)).
وفي كلامه هذا أمور:
الأول: لماذا لا يستطيع أسامة بن عطايا الكلام في هذه المسألة "تارك العمل" في هذه الأيام؟!
وماذا ينتظر حتى يتكلم ويعلن معتقده فيها؟!
ولماذا لا يوضِّح كلامه المجمل؟!
أي اتجاه يقصد؟
الذي أعرفه عنه في جلسة جمعتني به في بيته: أنه يخالف الشيخ ربيعاً حفظه الله في مقالاته الأثرية في الرد على تشغيبات وشبهات وتأصيلات الفرقة الحدادية، وعنده رد على هذه المقالات!، ولكنه يخشى إن أظهر عقيدته هذه الأيام أن يُلحق بالغامدي والجهني ومن على شاكلتهم، ولهذا لا يتكلَّم في هذه المسائل هذه الأيام، وإنما ينتظر أن تعود الشوكة لهؤلاء الحدادية من جديد، والله أعلم.
الثاني: وأما قول ابن عطايا: ((والذي أعتقده: أنَّ تارك عمل الجوارح بالكلية كافر مرتد كما قرره الشيخ ربيع في رسالته حول جنس العمل)).
فهذا خلاف الواقع!
الشيخ ربيع حفظه الله كتب مقالات واضحة في نقض دعوى تكفير تارك أعمال الجوارح، وهذا ما لا يخفى على الموافق والمخالف والقريب والبعيد، بينما أسامة بن عطايا يعتقد هذه العقيدة التي نقضها الشيخ ربيع، فكيف يزعم أنه يقرر ما قرره الشيخ ربيع؟!
وهل نفهم من كلامه هذا أنَّ ابن عطايا يوافق ما قرره الشيخ ربيع في رسالته حول جنس العمل، ويخالفه في مقالاته الأثرية في رد تشغيبات وشبهات الحدادية؟!
لنفترض أنَّ الشيخ ربيعاً حفظه الله كان له قولان في هذه المسألة، القول الأول تكفير تارك عمل الجوارح (عام 1425هـ)، والثاني عدم تكفير تارك عمل الجوارح (حتى عامنا هذا 1438 ه)، والقول الثاني هو الأخير، فهل يحق لأحد أن يتخير من أقواله بحسب ما يشتهي ويوافق هواه؟! أم الواجب أن يأخذ قوله الأخير؟!
ثم ما الذي قرره الشيخ ربيع حفظه الله في رسالته [كلمة حق حول جنس العمل]؟
الشيخ ربيع حفظه الله قرر ما يلي:
1- إنَّ فكرة تكفير تارك جنس العمل أثارها القطبيون لتفريق السلفيين وإحداث الفتنة بينهم وجرهم إلى تكفير الحكام والمجتمعات، وهي كلمة مجملة اختلف القائلون بها في بيان معناها وتفسيرها.
2- إنَّ هذه الفكرة يُراد بها اتهام أئمة أهل السنة الذين لا يكفِّرون تارك عمل الجوارح بالإرجاء، لإسقاطهم والفصل بينهم وبين الشباب السلفي.
3- وجوب الاستسلام لأحاديث الشفاعة القاضية بخروج من كان عنده أدنى أدنى أدنى من مثقال من إيمان من النار، والتشنيع على من لم يرفع بها رأساً.
4- وجوب الالتزام بما كان عليه السلف الأول من قولهم: الإيمان قولٌ وعملٌ؛ قول بالقلب واللسان وعمل بالقلب والجوارح، وترك الخوض في مسألة جنس العمل المجملة المحدثة.
5- وأما قول الشيخ ربيع حفظه الله في هذه الرسالة: ((وفي هذه الأيام كتب أخونا حمد بن عبد العزيز العتيق مقالاً تحت عنوان "تنبيه الغافلين إلى إجماع المسلمين على أنَّ ترك جنس العمل كفر في الدين"، فشرعتُ في قراءته إلى أن وصلت إلى الصحيفة الخامسة فإذا فيها : "الفصل الثالث: ترك جنس العمل كفر أكبر: المبحث الأول: صورة المسألة هي في رجل نطق بالشهادتين ثم بقي دهراً لم يعمل خيراً مطلقاً لا بلسانه ولا بجوارحه ولم يعد إلى النطق بالشهادتين مطلقاً مع زوال المانع"، فقلتُ: إن كان المراد بجنس العمل هذه الصورة فإني لا أتردد ولا يتردد مسلم في تكفير من هذا حاله وأنه منافق زنديق؛ إذ لا يفعل هذا من عنده أدنى حد للإيمان)).
وهذا التعليق ذكره الشيخ ربيع حفظه الله من باب امتناع هذه الصورة من جهة الواقع العملي، فهي صورة نظرية لا حاجة للجدال والخلاف فيها، ولهذا قال حفظه الله في خاتمة كلمته: ((وهنا ملاحظة مهمة ينبغي لفت النظر إليها وهي: أنَّ الصورة التي ذكرها الأخ حمد لا يجوز لمسلم أن يتردد في تكفير صاحبها إن وجد؛ ولكنها في الوقت نفسه هي نظرية غير واقعية ولا عملية، إذ لا يتصور وقوعها من مسلم، والشرائع لم تبنَ على الصور النادرة كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله، فكيف نزج بدعوتنا وشبابنا في الصور المستبعدة أو المستحيلة، وتشحن النفوس وتضيع الأوقات في القيل والقال، بل توقع الشباب في الشبكة التي نصبها لهم التكفيريون؟!)).
فهل أسامة بن عطايا يقرر ما قرره الشيخ ربيع في هذه الرسالة؟!
تقدَّم كلام ابن عطايا وما فيه من اتهام من لا يكفِّر تارك عمل الجوارح بالإرجاء والتشنيع عليه، وكذلك ادَّعاء الإجماع على تكفيره، وأنَّ عدم تكفيره ليس من أقوال أهل السنة، ورد الاحتجاج بأحاديث الشفاعة، وأنَّ تارك كمال الإيمان يكفر في حالات معينة إلى غير ذلك، بالإضافة إلى أنَّ ابن عطايا خاض في هذا الموضوع بشكل واسع وفرَّق السلفيين بسببه وأثار الفتنة بينهم وسلَّط غلاة الحدادية عليهم في المواقع والمنتديات فترة من الزمان، فهل هذا يوافق ما قرره الشيخ ربيع في كلمته هذه؟!
وهل يقرر ابن عطايا أنَّ الصورة التي ذكرها حمد العتيق هي صورة تارك العمل المختلف فيها اليوم؟!
لو كانت كذلك، لماذا وصف الشيخ صالح الفوزان حفظه الله حمد العتيق ورسالته وصورته هذه بالإرجاء؛ مما اضطرَّ حمد العتيق للرجوع عنها زاعماً أنه لم يعتقد هذه الصورة يوماً قط!!.
وهل يقرر ابن عطايا أيضاً أنَّ هذه صورة نظرية نادرة غير واقعية ولا عملية كما يقرر الشيخ ربيع في كلامه السابق؟!
وقد كنتُ قد كلَّمتُ شيخنا الشيخ ربيعاً حفظه الله مرتين في زيارتين الأولى في (1430ه) والثانية في (1438ه) حول تعليقه هذا على الصورة التي ذكرها حمد العتيق، وأخبرتُه أنَّ بعض من تأثر بفكر الحدادية يحتج على السلفيين بهذا التعليق؟ فكان الشيخ ربيع يجيبني بأنه قال هذا من باب استحالة وقوع هذا ممن عنده أدنى ذرة من إيمان، لا من باب تكفير تارك عمل الجوارح.
وبعد كل هذا يأتي اليوم أسامة بن عطايا ويزعم أنه يقرر أنَّ تارك عمل الجوارح كافر كما قرره الشيخ ربيع في رسالة "كلمة حق حول جنس العمل"!!.
ثم إنَّ الصورة التي ذكرها حمد العتيق اشتملت على ترك أقوال اللسان وعمل الجوارح وعدم العودة إلى النطق بالشهادتين مع القدرة على ذلك وعدم المانع، وهذا الصورة حقيقة أشبه بالخيال النظري، وغلاة الحدادية يخالفوننا فيما دون ذلك، لأنَّ هذه الصورة حقيقتها هو الامتناع والاستكبار لا الترك المجرد.
فلا يقال إنَّ الصورة هذه هي صورة تارك عمل الجوارح، بدليل أنَّ الشيخ ربيعاً حفظه الله قال: ((إنْ كان المراد بجنس العمل هذه الصورة؛ فإني لا أتردد ولا يتردد مسلم في تكفير من هذا حاله، وأنه منافق زنديق، إذ لا يفعل هذا من عنده أدنى حد للإيمان))، ومعلوم أنَّ الشيخ ربيعاً ينقل الخلاف في تارك عمل الجوارح، وهنا يذكر أنه لا يتردد مسلم في تكفيره، والمرجئة لا تكفِّر هذا، وهم مسلمون، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في المجموع [7/507-508]: ((ثم أنَّ السلف والأئمة اشتدَّ إنكارهم على هؤلاء وتبديعهم وتغليظ القول فيهم، ولم أعلم أحداً منهم نطق بتكفيرهم ، بل هم متفقون على أنهم لا يكفرون في ذلك، وقد نص أحمد وغيره من الأئمة على عدم تكفير هؤلاء المرجئة، ومن نقل عن أحمد أو غيره من الأئمة تكفيراً لهؤلاء أو جعل هؤلاء من أهل البدع المتنازع في تكفيرهم فقد غلط غلطاً عظيماً)).
فما فهمه أسامة بن عطايا وقرره لا يوافق ما قرره شيخنا الشيخ ربيع حفظه الله في رسالة "كلمة حق"!.
فكيف والشيخ ربيع الآن يصرِّح بالتشنيع على من يدَّعي الإجماع على تكفير تارك عمل الجوارح، ويقرر ما تتضمنه أحاديث الشفاعة وأحاديث فضل التوحيد وحديث البطاقة من عدم خلود أهل التوحيد الذين لم يعملوا خيراً بجوارحهم في النار؟!
 الثالث: وأما محاولة أسامة بن عطايا أن يصرف الخلاف من مسألة تارك عمل الجوارح إلى مسألة ترك بعض الأعمال امتناعاً واستكباراً، كتارك الصلاة امتناعاً حتى يقتل، وأنَّ من لم يُكفِّره فقد دخلت عليه شبهة الإرجاء، فهذا خارج موضوع النزاع كما تقدَّم، لأنَّ كفره بالامتناع لا بالترك المجرد.
وأسامة بن عطايا يعرف ذلك جيداً لكنه يحاول أن يمسك العصا من وسطها كما يقال أو يقف في منتصف الطريق لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، والحقيقة أنَّ السلفية عرفوه والحدادية عرفوه!، لكنه يخادع نفسه وبعض المخدوعين به ويتلاعب بالألفاظ.
فكون من لم يكفِّر تارك الصلاة امتناعاً حتى يقتل دخلت عليه شبهة الإرجاء لا يلزم منه أن نتهم من لم يكفِّر تارك عمل الجوارح بالإرجاء ولا أن ندندن حول الإرجاء في هذه المسألة حتى لو كان تلميحاً وتعريضاً لا تصريحاً.
الرابع: وقول ابن عطايا: ((وما ذكرتُه من كلامٍ أعمُّ من هذا أو فيه إجمال: مقصودي فيه نحو هذا التفصيل)).  
كيف يكون ما ذكرتَه من قبل من قبيل العام والمجمل؟!
ألم تصرِّح باتهام من لم يُكفِّر تارك عمل الجوارح بالإرجاء وتشنِّع عليه؟!
ألم تصرِّح بأنَّ تارك عمل الجوارح كافر بالإجماع، وقول من لم يُكفِّره ليس من أقوال أهل السنة؟!
فكيف تزعم أنك عممتَ وأجملتَ؟!!
ثم بعد تلك الخطيئة الصريحة التي وافق فيها غلاة الحدادية يطالبنا أسامة بن عطايا أن نحمل مجمل كلامه على مفصِّله؟!
أين التفصيل؟!
لا زلت يا ابن عطايا تدَّعي الإجماع وتدندن حول الإرجاء في هذه المسألة في حالات معينة على حد وصفك!، فأي تفصيل؟!
هل تظن أنَّ ادخال مسألة تارك الصلاة امتناعاً حتى يقتل في مسألة تارك عمل الجوارح من قبيل التفصيل؟!
لماذا لا تسلك طريقة من ذكرتَ (شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم والعلامة الشيخ الألباني رحمهم الله) من القول بأنَّ من لم يُكفِّر تارك الصلاة امتناعاً حتى يقتل دخلت عليه شبهة الإرجاء دون أن تربط هذه بمسألة تارك عمل الجوارح؟!
أم هو التلبيس والتمويه؟!
الخامس: قول ابن عطايا: ((واعلم يقيناً أنَّ من علماء السنة الأكابر من يعتقد إجماع السلف على كفر تارك عمل الجوارح وعلى اتهام من لا يقول بذلك بموافقة المرجئة، ولا نجعل هذه القضية سبباً للطعن في أولئك العلماء؛ كالشيخ صالح الفوزان)).
يحاول ابن عطايا أن يتستر خلف الشيخ صالح الفوزان حفظه الله كما فعل حدادية فالح الحربي مثل ذلك.
قال شيخنا الشيخ ربيع حفظه الله كما في [شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث ص179 - 180]: ((أهل البدع لا يسكتون عن أهل السنة، بل يطعنون فيهم كما هو حال الخوارج الجدد الحدادية!، بل هم الآن من أشدِّ الناس طعناً في أهل السنة، ومن أشدِّهم حرباً على أهل السنة؛ حيث إنَّ علماء مكة وعلماء المدينة وعلماء اليمن وعلماء العالم الإسلامي كلهم -الآن- عندهم مرجئة مبتدعة!!، ولا يعترفون إلا بشخص واحد -تقريباً- وهو الشيخ صالح الفوزان فقط!، ليندسُّوا من ورائه!، وليطعنوا في أهل السنة جميعاً!!، وهم والله بدؤوا بالشيخ الفوزان - وربِّ السماء - وأدينُ اللهَ بأنهم يبغضونه ويحتقرونه!!، فعلماء السنة كلهم -الآن- عند هؤلاء المبتدعة مرجئة!!، ومَنْ يكونون هم؟! ما ندري؛ لهم ثلاثة رؤوس أو أربعة بارزين فقط!، وهم من أضلِّ خلق الله، وأكثرهم خيانة وفجوراً، فكيف بالمخفيين؟! المخفيون يمكن فيهم باطنية وروافض!، والله أعلم، فما أبقوا لأهل السنة شيئاً، هذا حالهم الآن حرب أهل السنة!)).
 وابن عطايا يحاول بهذا النقل عن الشيخ الفوزان حفظه الله أن يهوِّن من مسألة دعوى الإجماع وفرية الإرجاء في أئمة أهل السنة الذين لا يكفِّرون تارك عمل الجوارح، فإذا قيل له ومن كان على مسلكه: كيف تدَّعون الإجماع على تكفير تارك عمل الجوارح وهناك من أئمة السلف من يخالف هذا الإجماع؟! وكيف تتهمون بالإرجاء من لا يكفِّر تارك عمل الجوارح وجمهور أهل الحديث على هذا القول استسلاماً لأحاديث الشفاعة؟! يكون جوابه وجوابهم: نحن نقول بقول الشيخ صالح الفوزان!، فابن عطايا يريد بهذا النقل تمرير هذه الدعوى وتهوين الخلاف مع من يقول بها من غلاة الحدادية اليوم!.
ويظهر أنَّ ابن عطايا لم يصبر كثيراً على هذا التستر خلف الشيخ الفوزان، فقد قال في مقاله المنشور قبل أيام في تحذيره مني: ((ومن الحدادية: من استغلَّ قضية "تارك عمل الجوارح" ليتهم من يكفر تارك عمل الجوارح بأنه من الخوارج أو من الحدادية، أو يلمح بذلك؛ كما عليه مثل رائد آل طاهر وبعض الشباب المتنطعين ممن كان رائد على صلة بهم.
والخلاصة: أنَّ عقيدتي في تكفير تارك عمل الجوارح واعتقاد الإجماع على تكفيره راسخة لا تزحزحها شقشقة رائد ولا ألاعيبه، ولستُ مقلِّداً للشيخ الفوزان ولا للشيخ ربيع ولا لغيرهما، بل أتبع الدليل وأنصره)).
وكلامه هذا يدل على ثلاثة أمور:
الأول: أنَّ أسامة بن عطايا يصرِّح بوصفي بالحدادية، وهو رجل لا يتورَّع من إطلاق هذا الحكم على السلفيين الذين يخالفونه ويردون عليه أخطاءه.
وماذا يقول ابن عطايا في الشيخ ربيع حفظه الله الذي شنَّع على هؤلاء الذين يكفِّرون تارك عمل الجوارح ولا يستسلمون لأحاديث الشفاعة، وكذلك شنَّع على الذين يدَّعون الإجماع على تكفيره ويتهمون المخالف بالإرجاء، ووصفهم حفظه الله في مقالاته بالخوارج والقطبية والحدادية؟ فهل الشيخ ربيع من الحدادية أيضاً؟!
وقد قال الشيخ ربيع حفظه الله في مقال [مضامين "المقالات الأثرية في الرد على شبهات وتشغيبات الحدادية"، ومعها ملحق مهم]: ((وهذا الكلام ضد منهج الحدادية الذين يرمون بالإرجاء من لا يكفِّر تارك العمل)).
فإن اعترض علينا ابن عطايا باجتهاد بعض العلماء المعاصرين كالشيخ الفوزان حفظه الله ممن يعدُّ القول بعدم تكفير تارك العمل من الإرجاء، فجوابنا على اعتراضه ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في [المجموع 6/ 71]: ((إذا رأيتَ المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم فاغتُفرت لعدم بلوغ الحجة له، فلا يُغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول)).
الثاني: إصرار ابن عطايا على ادَّعاء الإجماع على تكفير تارك عمل الجوارح يؤكِّد لنا أنه لا زال موافقاً لعقيدة الحدادية في هذا الزمان، وأنه أصبح هذه الأيام لا يبالي ماذا يقول فيه العلماء السلفيون، لأنه يعدُّ نفسه عالماً راسخاً من أقران المشايخ الكبار كما صرَّح لي بهذا أكثر من مرة!!، وهو مستقل بفهمه عن فهم العلماء المعاصرين، ويعدُّ كل السلفيين في هذا الزمان مقلِّدين للعلماء لا متبعين إلا من وافقه على ثورته واستقلاليته هذه.
الثالث: دعوى ابن عطايا أننا نقلِّد الشيخ ربيعاً حفظه الله كما يتستر الحدادية خلف الشيخ الفوزان حفظه الله، دعوى باطلة، فالشيخ ربيع حفظه الله كتب عدة مقالات في بيان وتفصيل هذه المسألة بالأدلة الصريحة والآثار السلفية والنقول العلمية عن أئمة الإسلام وعلماء أهل السنة، وردَّ على كل شبهات وتأصيلات وتشغيبات الحدادية بالحجة والبرهان، فمن أخذ بقول الشيخ ربيع لا يعدُّ مقلِّداً وأنما هو متبع للأدلة والآثار والنقول التي ذكرها في مقالاته، وأما الحدادية فيركضون وراء كلمة (هذا كتاب إرجاء) أو (هذا من المرجئة) أو (هذا إرجاء)، فهم مقلدة حقاً بلا خلاف مع ابن عطايا.
فلو كان أسامة بن عطايا صادقاً في دعواه "بل أتبع الدليل وأنصره"، لاتبع الأدلة التي ذكرها الشيخ ربيع حفظه الله - وخاصة أحاديث الشفاعة - وانتصر لها، ولكن أبى الانقياد والاستسلام لهذه الأدلة وأبى قبول النصائح المتكررة من الشيخ ربيع حفظه الله حتى أصبح حاله مكشوفاً مفضوحاً.
أسأل الله عزَّ وجلَّ أن يبصرنا بالقول الحق وأن يجنبنا القول الباطل وأن يرزقنا الإخلاص والسداد والثبات على الهدى وحسن الخاتمة.

كتبه
أبو معاذ رائد آل طاهر

26 جمادى الآخرة لعام 1438ه